الادارة الذاتية في روج آفا والدبلوماسية العالمية
أمين عليكو
الإدارة الذاتية، الفكرة المقتبسة من الأمة الديمقراطية والتي طرحها السيد عبدالله آوجلان ، تترجم العملية الديمقراطية إلى ممارسة مباشرة من قبل الشعب. وتعتبر الإدارة الذاتية الهيكل التنظيمي الملموس والجسد للنظام الديمقراطي الجديد، وتعد نموذجاً بديلا للأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط المتعددة الأعراق والأجناس، وهي نظام مخالف لما تتضمنها الإدارة المركزية، وتتبع اللامركزية في جميع أطر عملها، وتستند في عملها إلى بناء المؤسسات المدنية، وأصغر خلية إدارية فيها هي “الكومونات” التي تهدف إلى إدارة المجتمع نفسه بنفسه في إطار أمة تعددية ديمقراطية.
لعبت الإدارة الذاتية دوراً فعالاً في إدارة روج آفا من حيث تأمين الحماية والخدمات اليومية وتأمين المتطلبات المعيشية في ظل سورية مدمرة كلياً. ولم يتوقف عمل الإدارة الذاتية عند الشؤون الداخلية لروج آفا فقط، وإنما عملت نحو تطوير العلاقات الدولية والتأثير على السياسات العامة للدول، ففي ظل التغيرات الدولية الراهنة والعواصف التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط ، استطاعت هذه الإدارة ورغم صغر عمرها أن ترتقي على سلم العلاقات الدبلوماسية، وتحولت إلى رقم صعب في أي حل أو نقاش يدور في فلك الأزمة السورية، وغيابها عن أي محفل دولي يعني فشل الحل وتشابك العقدة أكثر من سابقاتها، الدليل على ذلك هو ما آلى إليه مؤتمر “جنيف 3” وتأجيله المتكرر، ويعود السبب في ذلك إلى غياب القوى التي تمثل الديمقراطية وإرادة الشعب السوري بجميع مكوناته، ومن حارب الإرهاب الذي عجزت عن محاربته القوى الدولية بنفسها.
كما هو معروف يعتبر الشرق الأوسط من أهم المواقع الاستراتيجية في العالم والأكثر نزاعاً أيضاً، والتي تتمحور معظم أسباب تأزم الوضع فيها وضجيجها بالحروب، حول الثروات الطبيعية والمناطق الحدودية التي رسمت إبان الحربين العالميتين، بالإضافة إلى النزاع العربي الإسرائيلي والمذهبي (السني – الشيعي )، وكذلك ساهم التدخل الخارجي في زيادة التوتر في الشرق الأوسط ولعب دوراً أساسياً في ظهور الجماعات الإرهابية في الشرق الأوسط، وبدعم من دول إقليمية بشكل مباشر أو غير مباشر، كما هو الحال مع القاعدة وداعش والتي تلد منها أسماء أخرى أكثر فتكاً وإرهاباً، وتتلقى دعماً مباشراً من تركيا والسعودية وقطر. ومن جانب آخر أكدت الإحصائيات للمراكز الاستراتيجية، بأن كل دولة في الشرق الأوسط دخلت في حرب لم يكن إلا من خلال تدخل قوى خارجية في شؤون دولة جارة لها، كما تفعل ايران مع الحوثيين في اليمن ومع حزب الله في لبنان ومع الحشد الشعبي في العراق، ودعم المعارضة في البحرين، والحرس الثوري في سوريا، و كل هذا أدى إلى خلق بيئة متوترة وغير مستقرة في الشرق الأوسط. وتقديم هذا الدعم المكثف للفصائل الارهابية كسلاح وورقة ضغط بغية تقديم الطرف الآخر لتنازلات وامتيازات للقوى الدخيلة إرضاءاً لمصالحهم دون خدمة الشعوب، كما الحال مع الحلفين (الأميركي – الروسي )، مما يؤدي إلى تداخل وتشابك في العلاقات بين هذه الدول بشكل غير أخلاقي وبعيد كل البعد عن القيم الانسانية. وتُغيَر هذه العلاقات حتى في قواعد الاشتباكات المعروفة، ويبدو ذلك جلياً فيما تدعيه تركيا من أسباب تبرر قصفها لقرى ومناطق في روج آفا وفي مقاطعة عفرين بشكل خاص وارسالها الارهابيين إلى تل أبيض واعزاز وحي الشيخ مقصود، ففي حقيقة الأمر هي تدافع عن شركائها كجبهة النصرة وأحرار الشام وأخواتها، وتحارب قوات سوريا الديمقراطية التي تتكون من جميع مكونات المنطقة بالإضافة إلى عدة فصائل من مناطق الشهباء، بمعنى آخر تتكون QSD من (الكرد، العرب، التركمان، السريان )، اذاً الموضوع لا يتعلق بالأمن القومي للدولة التركية أو ما شابه ذلك من كلام هو فقط نوع من الافلاس السياسي والأخلاقي الذي تعيشه بعض الدول القومية. وباتت مكونات عموم سوريا ترى في نموذج الادارة الذاتية في روج آفا وما تحمله من قيم التعايش السلمي لكل مكونات المنطقة وإيلاء الأهمية للدور الحقيقي للمرأة والشبيبة في ادارة المجتمع والحفاظ على الطبيعة وقيم الانسانية حلاً لكافة قضاياها. وهذه الحقيقة للإدارة الذاتية ونموذج العيش وقبول الآخر أدت إلى مطالبة كل من تركيا والسعودية المجتمع الدولي أن يختار بينهم وبين الادارة الذاتية الديمقراطية في روج آفا، ومن هنا يتضح وزن الحقيقة السياسية الادارة الذاتية في المجتمع الدولي، والتي لم تأتي من فراغ بل نتيجة التضحيات التي قدمها أبناء روج آفا في جبهات القتال ومن خلال جولاتها الدبلوماسية في العالم، والتي أثمرت بفتح ممثلية للإدارة الذاتية في موسكو ومن ثم مكتب لوحدات حماية الشعب والمرأة في العاصمة التشيكية براغ، والزيارة الخاصة لمبعوث الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى مقاطعة كوباني. إذاً استطاعت الإدارة الذاتية من خلال سياستها أن تحافظ على المجتمع من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية برغم من إمكانياتها البسيطة، وأصبحت موضع الاحترام من قبل شعوب العالم والمجتمع الدولي.
من ناحية أخرى إن انجازات الادارة الذاتية الديمقراطية لم تتوَج بعد بالاعتراف الرسمي من قبل المجتمع الدولي ككل، ففي بعض الأحيان هذا الاعتراف الدولي مقتصر على محاربة وحدات حماية الشعب لداعش وزيارات لشخصيات دولية الى مقاطعات روج آفا ولكن بصفة شخصية وليس كشخصية رسمية من قبل جهة رسمية. لذا على الادارة الذاتية العمل والسعي نحو الحصول على هذا الاعتراف من قبل المجتمع الدولي، الذي من شأنه أن يدعم النهج الثالث الذي سار عليه هذه الادارة منذ بداية الثورة السورية في المحافل الدولية والذي برهن فاعليته على أرض الواقع.