مجزرة حلبجة لم تكن جسدية فقط بل كانت مجزرة ثقافية

مقالة :ريحان جفتسوران

إن القوى المهيمنة تسعى دائماَ لإبقاء الكرد في حالة من التنافر والاقتتال الكردي- الكردي من أجل تحييد الكرد عن تحقيق أهدافهم في الحرية، مفتعلين لذلك الأسباب التي تمهد لهم السبيل للتدخل في كردستان، ومن تلك التدخلات “مجزرة حلبجة” التي استهدفت وجود الشعب الكردي، متعللة بأن السبب الكامن وراء هذه المجزرة هو ارتباط الكرد آنذاك بالقوى الخارجية وانقسامهم فيما بينهم ، مشددة في الوقت نفسه على ضرورة عدم توحيد القوى الكردية لصفوفها لتفادي وقوع مجازر مماثلة.
إن منطقة الشرق الأوسط وكردستان على وجه الخصوص كانت ومازالت هدفا للهجمات الخارجية، معتبرة أنه من الخطأ إرجاع هذه الهجمات لأسباب تتعلق بنهب خيرات كردستان وثرواتها فحسب، لأنها تذهب في أهدافها إلى أبعد وأعمق من ذلك مشيرة إلى أن الهدف الحقيقي للهجمات على كردستان بما فيها مجزرة حلبجة هو إبادة الشعب الكردي ثقافياً وجسديا وأيضا طمس الهوية الكردية، حيث لم تؤثر تلك المجزرة على الإنسان فقط بل أثرت على طبيعة أرض حلبجة تلك الطبيعة التي كانت غنية بنباتاتها وأشجارها وحيواناتها، وحتى يومنا هذا لا تزال أرضها تعاني من آثار المواد الكيميائية التي استخدمت في تلك المجزرة. ورغم كل هذه الجروح ظلت صامدة بمقاومة أهلها وعودتهم إلى الحياة فيها والعيش على تراب وطنهم.
إن حلبجة كانت ضحية التقاربات الخاطئة للقيادة الكردية حينها، فالقيادة السياسية في جنوب كردستان عقدت تحالفا مع النظام الإيراني بينما القيادة السياسية في شرق كردستان عقدت تحالفا مع النظام العراقي من جهة أخرى، واللذان كانا في حالة حرب ذلك الحين، معتمدين على قاعدة “عدو عدوك صديقك” غافلين عن حقيقة هذين النظامين اللذين يتركان عداواتهما جانباً ما إن تتعلق المسألة بالقضية الكردية.
يشار إلى أن مجزرة حلبجة ارتكبت على يد النظام البعثي في العراق في السادس عشر من شهر آذار/مارس عام 1988 بتعليمات من “علي حسن مجيد” – الأخ الغير الشقيق لصدام حسين رئيس دولة العراق حينها – والمعروف بـ”علي الكيماوي” نسبة لاستخدامه السلاح الكيماوي لقصف حلبجة، وقضى وقتها أكثر من (5000) من مواطني حلبجة حياتهم بأطفالها ونسائها وكبارها وشبابها اختناقاً بغاز الخردل المستخدم في القصف هذا وما تزال حلبجة تعاني من آثار ذلك القصف الكيماوي حيث يولد العديد من الأجنة بعاهات جسدية بتأثير المواد الكيماوية التي استخدمت في المجزرة تلك.
ومن الأسباب الأخرى لمجزرة حلبجة، يقظة الشعب الكردي في جنوب كردستان عموماً وتوقهم إلى الانتفاض في وجه مستعمريه، وهذا ما دعا النظام العراقي والقوى المتآمرة معه لارتكاب مجزرة حلبجة بهدف كسر إرادة الشعب الكردي وسد الطريق أمام أية محاولة لتنظيم نفسه.
أن العراق وجنوب كردستان مرَا بالعديد من التغيرات بعد ارتكاب مجزرة حلبجة وحتى وقتنا الراهن، بما فيها احتلال الكويت من قبل النظام العراقي، وحرب الخليج الأولى، وسقوط العراق بعد احتلالها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية عام 2003، والذي فتح بذلك الطريق لمشروع دويلة قومية كردية بجنوب كردستان .
أن مشروع إقامة دويلة كردية وسعي الكرد للتدول بجنوب كردستان كان ميراثاً للاحتلال الأمريكي للعراق، وقد سعت أمريكا من خلالها إلى تقسيم الكرد وربطهم بمصالحها عبر عقد التحالفات معهم لجّرهم إلى تنفيذ مخططاتها. أن التدوَل لم يكن مسعى كردياً إلا أن أمريكا أرادت بطرح مشروع دويلة قومية كردية في جدول أعمال الكرد لابقائهم في حالة من التخلف والتبعية فزمن الدولة القومية قد ولّى .
ومن جهة أخرى نرى أن المجازر لا تزال ترتكب بحق الشعب الكردي، كمجزرة شنكال عام 2014، وكذلك المجازر التي ارتكبت في كل من روج آفا على يد داعش، وباكور كردستان على يد الدولة التركية. وهذا يعتبر امتداداَ لمجزرة حلبجة وفصلاً آخراً من فصول التآمر على الشعب الكردي الذي شهد على مر تاريخه مسلسلاً منقطع النظير من المجازر .