العناوين الرئيسية

مقالات 

• الرئيس أردوغان كخَطَرٍ على الأمن الأوروبي

دراسات

• استبداد الماضي.. تركيا لا تتعلم من تجاربها

________________________________________

مقالات

 الرئيس أردوغان كخَطَرٍ على الأمن الأوروبي

النهار

جهاد الزين

ربما يكون “ملف” نمط حكم رجب أردوغان بات مطروحاً على مستوى عال جدا في الاستراتيجية الأوروبية والغربية. فربط اسم الرئيس التركي بالإسلام الراديكالي ليس مسألة عابرة

منذ استحداثه لتعبير “الهلال الشيعي” الذي استبق فيه اتجاه الصراع العام في المنطقة إلى التمحور بين الغرب والنفوذ الإيراني بشكل متفجِّر، الاتجاه الذي لا يزال يعبِّر عن نفسه بالصراع الكبير بين السعودية وإيران (بعد انسحاب الغرب من هذا الصراع بفعل الاتفاق النووي)، يبدو الملك عبد الله، عاهل الأردن، جاهزاً مرةً أخرى لتحديد، أو على الأقل كَشْفِ اتجاه آخر كبير ومختلف للصراع. في الحالتين السابقة والحالية يعلن العاهل الهاشمي بدء مرحلة جديدة

فهل نستطيع أن نصنِّف المعلومة التي سرّبتها عنه صحيفة “الغارديان” قبل أيام قليلة في هذه الخانة، خانة اتجاه جديد للصراع في المنطقة أو تغييرات جديدة على خارطته

الصحيفة البريطانية، (التي تواصل نجاحاتها المهنية في سبر منطقة الشرق الأوسط في الفترة الأخيرة بشكل لافت وبما يشكِّل “درساً” للصحافة الغربية وربما العربية!)، تنقل أن ملك الأردن قال لأعضاء قياديين في الكونغرس الأميركي بينهم السناتور جون ماكين في منتصف كانون الثاني المنصرم بالحرف أن ” الرئيس التركي رجب طيِّب أردوغان يعتقد أن مشاكل المنطقة يمكن حلُّها عن طريق أساليب الإسلام الراديكالي”. وقال ” الحقيقة أن تدفُّقَ الإرهابيين إلى أوروبا هو جزءٌ من السياسة التركية. فهو من ناحية صفعة، ومن الناحية الأخرى محاولةٌ للخروج من الورطة

بحد ذاته هذا كلام خطير بل أخطر من خطير لم تنفه ولم تؤكده السفارتان الأردنيّتان في لندن وواشنطن حتى الآن. هذا يعني نوعا من تأكيده

هذا الاتهام عبر تسريبه الراهن بعد اعتداءات بروكسل، إذا ثبتت صحته بعد اعتداءات باريس، يعني طرح الغرب، وخصوصا الاتحاد الأوروبي لكل المستقبل السياسي للرئيس التركي على بساط البحث. فالمسألة هنا باتت تتعلّق بالأمن الأوروبي كله. مما يعني أن الانتقادات الغربية والأوروبية الحادة لـ”الانحراف السلطوي” لأردوغان يمكن أن تتحول إلى ما هو أشمل من ضمن التحولات الجديدة التي تشهدها المنطقة بعد الاتفاق النووي وبالأخص بعد الدخول الحيوي الروسي على الصراع في سوريا

إذن ربما يكون “ملف” نمط حكم أو حتى ظاهرة أردوغان بات مطروحاً على مستوى عال جدا في الاستراتيجية الأوروبية والغربية. فربط اسم الرئيس التركي بالإسلام الراديكالي ليس مسألة عابرة أو يمكن أن تكون عابرة

لقد عقد الاتحاد الأوروبي اتفاقية كبيرة مع تركيا حول اللاجئين لوقف تدفقهم إلى أوروبا. بينها دفْعُ أموال وفيرة لأنقرة. مما يطرح السؤال كيف يمكن أن يُكافَأ الرئيس التركي في وقت توحي الانتقادات بأنه يجب أن يُعاقَب

الدول الكبيرة كما يعلِّمنا التاريخ لا تتصرف على أساس إما أبيض أو أسود. بل بأشكال أكثر تعقيدا. فإذا كان أردوغان بات يشكِّل فعليا خطراً على الأمن الأوروبي برمته، كما تشير المعلومة المسرّبة عن الملك عبدالله، وهي بالتالي مسرّبة عن الأميركيين، فهذا يتطلّب الانتباه إلى عملية معقَّدة دخلها الصراع في الشرق الأوسط سيكون بينها إعادة “تصويب” الدور التركي

طبعا الرئيس التركي الذي دخل “لعبة الأمم” من بابها العريض بعد انفجار الأزمة السورية وبطريقة تغيِّر المعادلات الداخلية والخارجية التي قامت عليها الجمهورية التركية منذ تأسيسها قبل حوالي قرن، يعرف أيضا الوجوه الملتبسة لـ”لعبة الأمم” هذه من حيث أن الدول الكبرى الأوروبية لم تكن بريئةً سابقا في تعزيز الإسلام الراديكالي ولاسيما الداعشي لأن المرحلة الأولى من تدفُّقِ التكفيريين المسلحين عبر تركيا إلى سوريا والعراق لم تكن من دون علم المخابرات الأوروبية الأساسية

لكنْ الآن وبعدما وصل سيف الإرهاب إلى العنق الأوروبي تريد أوروبا إفهام أردوغان ترغيبا وترهيبا أن اللعبة السابقة انتهت وعليه التكيّف مع القواعد الجديدة للتوافق الأميركي الروسي ودخول أوروبا في “حرب عالمية” على الإرهاب

صحيح أن الحرب السورية طويلة ولكن كما سبق لي التكرار أنها الآن باتت حربا في “بيئة سياسية سلمية”. وأكبر مفارقات هذه الحرب الأخيرة أن تحظى فيها عملية دخول قوات النظام السوري إلى تدمر بترحيب عالمي في مقدمه تصريح ممتنٌ لهذا الإنجاز من أمين عام الأمم المتحدة بان كي – مون باعتباره إنجازا روسيا

دون أن ننسى، إنصافاً للحياة السياسية التركية، أن المعارضة التركية ومعها المثقفون والفنانون والشباب والنساء الليبراليون المدينيون لا تتردد منذ أكثر من ثلاث سنوات في تكرار أن هذه السياسات الأردوغانية أصبحت خطراً على الأمن القومي التركي. ودعوني أُضِف كمراقب خارجي أنها سياسات ضربت “النموذج التركي” للديموقراطية السياسية والحداثة وأدخلت تركيا في مقلب شرق أوسطي من الاستبداد والظلامية

________________________________________

دراسات

 استبداد الماضي.. تركيا لا تتعلم من تجاربها

العرب

أنقرة – تطرح اليوم العديد من الملفات الداخلية العالقة على طاولة الرئيس التركي الذي بدأت قاعدته الجماهيرية تتهاوى، وبلغت حد المطالبة برحيله عن السلطة. وتتهم الجماهير التي خرجت مؤخرا في مظاهرات حاشدة من جديد الرئيس التركي بالفساد، وقمع الحريات العامة، وبقتل المدنيين الأكراد تحت ذريعة مقاومة الإرهاب

ليست هذه المرة الأولى التي تطول الرئيس التركي مثل هذه الاتهامات، إذ سبق وأن تورط في نفس القضية عندما وجه القضاء التركي رسميا اتهامات بالفساد طالت عددا من مقربيه، بمن فيهم نجله ومسؤولون ووزراء في الحكومة في 20 ديسمبر 2013. وكانت أبرز التهم التي وجهها القضاء القيام بعمليات تجارية غير مشروعة مع إيران، من خلال تسهيلات قدمها وزراء في حكومة أردوغان الإسلامية

رافقت هذه الحادثة مظاهرات شعبية عارمة في مختلف المدن التركية دعت حكومة حزب العدالة والتنمية برئاسة أردوغان آنذاك إلى الاستقالة، إلا أن قوات الشرطة قمعتها بالقوة والعنف واعتقلت 31 شخصا وأصابت شخصين بجروح

واليوم وبمجرد اعتقال رجل الأعمال التركي رضا زراب أحد المتورطين سابقا في قضية الفساد السالف ذكرها في فلوريدا لنفس التهمة، عادت هذه القضية إلى الواجهة من جديد بعدما كان يسود اعتقاد بأن هذا الملف قد طوي وأن القضية قد أغلقت

وليست قضايا الفساد وحدها المطروحة اليوم، إذ أن المحتجين الأتراك الذين أعادوا رفع شعاراتهم السابقة ضد أردوغان ولاسيما الداعية إلى رحيله نددوا بالانتهاكات المتواصلة ضد الحقوقيين والصحافيين، ومكسب حرية التعبير عموما. وكان آخر هذه التضييقات سجن ومثول صحافييْن للمحاكمة بسبب نشرهما في مايو 2014 مقالا مسندا بصور وشريط فيديو التقط على الحدود السورية في يناير 2014 يظهر اعتراض قوات الأمن التركية لشاحنات عائدة إلى جهاز الاستخبارات التركي تنقل أسلحة لمقاتلين إسلاميين في سوريا. وهذه الممارسات جعلت تركيا عرضة لانتقادات واسعة من الاتحاد الأوروبي وجماعات مدافعة عن حقوق الإنسان لتضييقها على الصحافة

الرجوع إلى ماضي الأناضول يعني الاعتراف بأنها أرض تنوع إثني، والانتصار في معركة ملاذكرد لم يجعل منه مسكنا تركيا

وفي خضم كل هذه المسائل تبقى مشكلة الأكراد الملف الأكثر حساسية بالنسبة للحكومة التركية اليوم، ولرئيس الجمهورية. حيث يصر أردوغان على اتباع الخيار العسكري لحل هذا الملف رغم تبعاته الوخيمة على استقرار البلاد، ورغم ما يعانيه المدنيون الأكراد من هذا الصراع. وهذا الإصرار على هذا النمط من التعاطي مع هذه القضية طرح الكثير من القراءات، بل وهناك من دعا تركيا إلى إعادة قراءة واقعها والاتعاظ بالمراحل السابقة. وهو ما ذهبت إليه مجلة شؤون دولية الأميركية (فوزرين أفيرز)، التي رأت أن تركيا مدعوة للعودة إلى بعض التفاصيل السابقة من تاريخها، ثم تتجه في ما بعد إلى وضع أطروحات تتلاءم معها

تاريخ تحكمه الطائفية

منذ العام الماضي حوّل الجيش التركي المدن الكردية في جنوب شرق تركيا إلى مناطق حرب في مساعيها إلى إزاحة المقاتلين الأكراد الذين تحصنوا في هذه المناطق. ومؤخرا بدأت تركيا تطلق النار على القوات الكردية شمال سوريا

إن فهم مخاوف تركيا وردة فعلها تجاهها يتطلب إلقاء نظرة على التاريخ الطويل للأراضي التي تبسط عليها نفوذها. لقد تأسست الجمهورية التركية في سنة 1923 على أساس ضعيف، فعلى مدى تاريخها يتقسم سكانها على أساس طائفي. ولقد بدأ هذا المسار منذ سنة 1071 عندما دخلت القبائل التركية الأناضول بعد أن هزم جيش السلاجقة الجيش البيزنطي في معركة ملاذكرد. وعلى امتداد بضعة قرون أخرى اعتنق المسيحيون الأصليون الإسلام مما جعل من منطقة الأناضول ذات غالبية مسلمة

الجيش التركي يحول المدن الكردية جنوب شرق البلاد إلى مناطق حرب في مساعيها إلى إزاحة المقاتلين الأكراد

تصدت المجموعات الإثنية والطوائف الدينية في الأناضول لمحاولات الدول المتعاقبة لفرض السيطرة المركزية والتوحيد الثقافي عبر الدين التقليدي. وإلى حين تأسيس الدولة التركية كانت هناك دولتان أناضوليتان فقط بسطتا سيطرتيهما على أغلب أراضي منطقة الأناضول، الأولى هي الإمبراطورية الحتية في الألفية الثانية قبل الميلاد، والثانية هي سلطنة السلاجقة التركية من القرن الحادي عشر إلى القرن الثالث عشر

وتمكنت الإمبراطورية الأخيرة من الاستحواذ على أجزاء واسعة من السكان المزارعين المسيحيين والناطقين باللغة الإغريقية لأنها لم تفرض دينا تقليديا. كما تصدت الإمارات في الأناضول للعثمانيين بشراسة عندما غزا هؤلاء المنطقة في القرن الخامس عشر

وواصلت الأناضول في التصدي لمحاولات الإمبراطورية لبسط مركزية السلطة وفرض دين جامع، وفي الواقع كادت الإمبراطورية العثمانية أن تنهار في أوائل القرن السابع عشر على إثر سلسلة من الانتفاضات الشعبية الشرسة في الأناضول. تم قمع هذه الثورات لكن لم ينته أبدا الصراع بين الولايات الناضولية وإسطنبول. وكان تحويل الأناضول إلى مركز الدولة الوطنية التركية أكثر دموية، ففي بداية القرن العشرين بقي خمس السكان في الأناضول (الأرمن والإغريق والأشوريين) يدينون بالديانة المسيحية

وسعت الدولة التركية التي كانت تخشى من الانهيار إلى قمع الأقلية الاثنية المتبقية في البلد، أي الأكراد عن طريق إما تهجيرهم داخليا أو قتلهم مثلما فعلت في سنة 1931 في محافظة أغري، وفي سنة 1937 و1938 في محافظة درسيم. ومن غير المفاجئ أن تفشل السياسة المتوحشة في إحداث التجانس الوطني

قدوم حزب العدالة والتنمية

جاء حزب العدالة والتنمية في سنة 2002 وكان يبدو قوة توحيد للبلد المنقسم بما أن الحزب توجه إلى كل من الأتراك المحافظين والأكراد المحافظين. وأعطى صعود الحزب الانطباع بأن الوحدة التركية الكردية يمكن أن تؤمّن على أساس الإسلام السني. في سنة 2012 بعد فترة وجيزة من إعلان المنطقة الكردية المعروفة باسم “روجافا” الحكم الذاتي بدأت الدولة التركية في إجراء محادثات مع عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون. وأتت هذه المحادثات أكلها في سنة 2013 عندما دعا أوجلان حزبه إلى إنهاء العنف ضد الدولة التركية. وكانت الحكومة تأمل من خلال الاتفاق إلى تأمين نزع سلاح حزب العمال الكردستاني دون الاضطرار إلى تنازلات كبيرة لفائدة الأكراد، وكانت تعتقد أن الحل للمسألة الكردية يتمثل في التأكيد على أن الأتراك والأكراد تجمعهم “الأخوة” الإسلامية

آن الأوان ليوقف الزعماء الأتراك القمع الوحشي للأكراد ويستوعبوا مطالبهم للحكم الذاتي المحلي

في الحقيقة كانت نظرة أوجلان متطابقة بشكل كبير مع الأهداف التركية حيث قال نائب رئيس سابق لوكالة الاستخبارات الوطنية التركية إن “تسوية تركيا للمشكل الكردي يمكن أن يحدث تغييرات في الحدود والخارطة في المنطقة”، وهو ما يعني إمكانية دمج أجزاء من سوريا والعراق يسكنها الأكراد في تركيا

لكن بدأت نخبة الدولة التركية تخشى من أن فرض الأكراد لأنفسهم في سوريا يصبح حزب العمال الكردستاني من جديد يمثل تهديدا. وعلى إثر نجاح حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في يوليو 2015 قطع النظام التركي عملية سلام مع الأكراد استمرت على مدى سنتين ونصف السنة، واستؤنفت الحرب بين تركيا وحزب العمال الكردستاني

نهاية هذا التحالف التركي الكردي التجريبي قرّب حزب العدالة والتنمية أكثر من العسكر، عدوه السابق، الذي عبر بكل وضوح عن معارضته لمحادثات السلام مع حزب العمال الكردستاني

ومنذ ذلك الحين تبنت الحكومة السياسة الكردية التي أملاها جنرالات الجيش، ومن ذلك قيامها بتحويل مسؤولية “جهود مكافحة الإرهاب” من السلطات المدنية إلى القوات المسلحة، مع الإشارة إلى أن حزب العدالة والتنمية يعتبر الأكراد تنظيما إرهابيا

وفي الوقت الحاضر يتكلم القادة العسكريون والمسؤولون في حزب العدالة والتنمية اللغة نفسها ويتعهدون بجعل تركيا تركية بصفة حصرية. مثلا صرح أردوغان مؤخرا “نحن أمة دفعنا على مدى ألف سنة ثمن العيش على هذه الأرض. ونحن نعرف تمام المعرفة أن خلف ما يحدث حاليا هو تسوية حسابات في هذه الجغرافيا استمرت ألف سنة

آن الأوان ليوقف الزعماء الأتراك القمع الوحشي للأكراد ويستوعبوا مطالبهم للحكم الذاتي المحلي. صحيح أن الجيش سيعارض ذلك، لكن يمكن لحزب العدالة والتنمية تجاوز معارضة الجيش والقوميين المتشددين الآخرين إن مدّ يده مرة أخرى للدوائر الانتخابية من الأتراك الليبراليين والأكراد الذين ساعدوه على الوصول إلى الحكم

وعلى الزعماء الأتراك أن يدركوا أن الرجوع إلى ماضي الأناضول يعني الاعتراف بماضيه باعتباره أرضا ذات تنوع إثني، والانتصار في معركة ملاذكرد الذي سمح للأتراك بدخول الأناضول لم يجعل منه “مسكنا تركيا”، مثلما يدعي القوميون الأتراك

________________________________________

مركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية

2016 – 3 – 29

NRLS