لمعرفة حقيقة عيد النوروز يتوجب علينا دراسة تاريخ الشعب الكردي، الذي عاش على ارضه التاريخية منذ القدم والذي حقق اعظم الثورات الجذرية التي خدمت الإنسانية كلها من خلال (ثورة الزراعة وبناء القرى) وذلك لكثرة الموارد الغنية التي ينعم بها بلاد الكرد والموقع الجغرافي الاستراتيجي، فالكرد كشعب تعرض تاريخه للإنكار والتشويه من قبل الامبراطوريات القديمة والمستعمرة للمنطقة على انهم قدموا من أماكن بعيدة (الدانوب) بغية السيطرة عليها ونهب خيراتها ومن هذه القوى الإمبراطورية الاشورية التي احتلت الكثير من البلدان في المنطقة وخارجها حيث استخدمت القوة المدمرة لكل الشعوب واستعبدتها وجعلتها جيوشا هدامة حتى الشعب الاشوري نفسه عاني من مآسي وويلات تلك الحروب كل هذا أدى بشعوب المنطقة الى لم شملها والتحضير للقيام بالثورات التي حققت منجزات عظيمة في ذلك التاريخ بقيادة الكرد الميديين والبابليين وبمشاركة اقوام أخرى من المنطقة التي توحدت واسقطت الإمبراطورية الاشورية التي اتسمت بالدمار لكل شعوب المنطقة عام (612ق.م) حيث قامت الدولة الميدية متسلحة بأفكار وايديولوجية زرادشت التي لا تقبل العبودية وتعتمد على الإرادة الحرة بعد ان تحقق للكرد حريتهم من خلال كاوا الحداد على مدى سنين طويلة استلم الحكم استياغ (ASTYAG) الذي ضعفت الحكومة في عهده وبخيانة القائد العسكري هورباغوس (Horbakos) فقد الكرد حريتهم وتم استعبادهم وضعفت المطالبة بالحرية عندهم وخاصة في الفترة الاقطاعية وبعدها وعند ظهور الدين الإسلامي فقد الكرد الأيديولوجية الزرادشتية وخاصة بعد ظهور الخلافات الداخلية في أمور الخلافة وظهور الإسلام السياسي (اسلام السلطة) فقد الكرد وبشكل كامل أيديولوجية المقاومة الزرادشتية ضد المحتل والغزات بعد ذلك تم تجزئة كردستان بين الإمبراطورية العثمانية والصفوية بعد معركة (جالديران) واتفاقية (قصر شيرين) عام (1639م) التي قسمت كردستان الى قسمين واستغلت الكرد طائفيا باسم المذهب الشيعي الفارسي او السني العثماني خدمة لمصالحهما في الهيمنة على كردستان والمنطقة وبعد ذلك تدخلت فرنسا وبريطانيا في المنطقة وكردستان وخدمة لمصالحها ابرمت اتفاقية سايكس بيكو أصبحت كردستان مستعمرة دولية بموجب سياسة فرق تسد مقسمة بين اربع دول هي (ايران عراق سوريا تركيا) وجنى الكرد من خلال هذه السياسة الانكار والابادة وفي بداية السبعينات من القرن الماضي ظهرت بذور الأيديولوجية التحررية للكرد النابعة من فكر المناضل عبدالله اوجلان ولأنه بدون أيديولوجية تحررية لا يمكن إقامة تنظيم قوي او تحقيق ثورة حقيقية وخير مثال على ذلك (دور الأيديولوجية الزرادشتية في تحرير ميديا والاقوام الأخرى من ظلم وعبودية الإمبراطورية الاشورية) وامتدادا للأيديولوجية الزرادشتية وفكر المناضل عبدالله اوجلان يلعب الكرد في الوقت الراهن دور الطليعة في الشرق الأوسط من اجل التحرر لكل شعوب المنطقة وتطوير العصرانية الديمقراطية.

معنى عيد النوروز:

 نتيجة تخلص الكرد من الظلم والاستعباد وحصولهم على حريتهم وعلى وطنهم أي الدخول إلى مرحلة جديدة أو يوم جديد يختلف عن سابقه.

 النوروز هو اليوم الجديد (NȗRoj) وهو مكون من كلمتين (Nȗ) أي الجديد و(ROJ) أي اليوم، والنوروز يعد رأس السنة الكردية.

ملحمة عيد النوروز:

 تقول القصة انه كان هناك ملك ظالم من ملوك الامبراطورية الآشورية الدموية يحكم بلاد الكرد ، وكان مصابا بلعنة.

 تلك اللعنة كانت وجود آفاعي على كتفيه، تلك الآفاعي عندما تشعر بالجوع الملك يصاب بألم شديد، وكان غذاء تلك الآفاعي أدمغة الأطفال الكرد، وكردَ من هذا الشعب المظلوم قام الحداد الكردي (كاوا) بقتل الملك الظالم، وفي إشارة إلى النصر العظيم أشعل النيران في مكان مرتفع من قصر الملك الظالم كرمز لتحرر الشعب الكردي وانتقاله من عصر الظلم إلى عصر النور ومنذ ذلك الحين يحتفل الكرد بعيد النوروز بإشعال النيران.

الإطار للتاريخ الكردي القديم

العصر النيوليتي والكرد:

يرد في دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية للمفكر “عبد الله أوجلان”: “رغم كثرة التحليلات والتفسيرات الأثرية والإثنية لا يوجد شكوك حول ولادة المجتمع النيوليتي في الساحة التي ظهر فيها الكرد ويعني ذلك ان أهم اثبات بالنسبة للظاهرة الكردية هو إن الأسلاف للكرد هم من أقدم الكيانات الاجتماعية التي تطورت وعاشت في العصر النيوليتي وذلك أمر مهم جدا لأن تعريف أجداد وأمهات الكرد الذين خلقوا المجتمع النيوليتي يحظى بأهمية كبيرة إذا يعطي الفرصة للتعرف على خصائص المجتمع النيوليتي حيث يعتبر هذا الوجود في الصف الأول من صنف الشعوب الخلاقة والقديمة في أصولها وهي خصوصية تسفر عن نتائج مهمة ألا وهي إنه (مهد التاريخ) وجميع المعطيات المتوفرة تثبت صحة هذا الأمر.

يثبت التقييم المقارن لعلم الآثار والأجناس والأعراق إن المجتمع النيوليتي في التاريخ قد تطور قبل اثني عشر ألف سنة في السفوح الداخلية والخارجية لسلسلة جبل طوروس وزاغروس أي في مناطق التلال القريبة من الموارد المائية التي تتصل فيها السفوح بالجبال. ويعود سبب ذلك إلى غناها بالثروات النباتية والحيوانية التي تتناسب مع الزراعة والتدجين وتداخلها ببعضها البعض والنظام المناخي الشبيه بالري الطبيعي حيث توجد أمثلة برية لجميع أنواع الحبوب والحيوانات الصغيرة والكبيرة في هذه المنطقة، وتثبت الآثار النيوليتية التي تم اكتشافها خلال التنقيب في (جمى خالات) التابعة لباطمان وارغاني (جمة كوته بر) وكثير من التلال الترابية في أورفا. وهناك اجماع عام من المؤرخين على إن أكبر ثورة في التاريخ هي الدخول إلى مرحلة الحياة المستقرة في هذه جغرافية.

ويشكل الدخول إلى الحياة المستقرة أي الثورة الزراعية والحيوانية أخصب مرحلة لتسريع عجلة التاريخ ويرجع سبب ذلك لدوره في القضاء على المسار الروتيني في هذه المنطقة بعد عام (6400ق.م) وسمي هذا العصر بثقافة تل حلف حيث تم اكتشاف أولى النماذج في هذه المنطقة، إن هذه الثقافة التي تمتد شرق البحر المتوسط حتى جبال زاغروس والتي تتكاثف في المنطقة المسماة ميزوبوتاميا العليا تقدم تشابها في منطقة واسعة حيث لعبت دورا رياديا حتى عام (4000ق.م) تقريبا وتمثل الأصالة في جميع أنحاء العالم، ويمكن تقييمه كأول عصر ذهبي للتاريخ.

يعتبر العصر النيوليتي العصر الأساسي الذي كون البنية الروحية والذهنية للإنسانية من حيث المدة والشمولية، لقد حققت العناصر الايديولوجية كأولى القوالب للسمو الفكري والروحي والمعلومات والإدارة ووعي التحول إلى مجتمع والوصول إلى مصطلح الإله يعتبر تطوراً كبيراً لهذا العصر حيث اكتسبت البنية الفوقية للايديولوجية في تاريخ الإنسانية خصائصها الأساسية في ظروف المجتمع النيوليتي.

ومن جهة أخرى فإن المؤسسات المادية الأساسية كصنع الألبسة المنسوجة وارتدائها، طحن الحبوب بالطاحونة اليدوية، خبز الخبز، طبخ الطعام في الأوعية الفخارية وحفظها. وقد كان يتم صنع البلطة والمعول والمحراث والدولاب والعربة بنحت الحجر والنحاس وهي من الاختراعات الأساسية لهذا العصر. وأيضا يعتبر العصر النيوليتي الأرضية المادية للميثولوجيا والدين جوهرياً.

وكانت خصائص المجتمع الأمومي مسيطرة لفترة زمنية طويلة فالثورة الزراعية والحيوانية قد أخذت شكلها حول المرأة غالباً وكانت عبادة المرأة الأم القوية نتاجاً لهذه المرحلة. والمرأة الأم كانت ذات قدرة موجهة ونوعية.

وهذا هو الوضع الذي يشكل أساساً لثقافة الربات كانعكاس معنوي، وتعبر ألوهية المرأة عن مجموع خصائص المرأة التي نجحت في القيام بالثورة النيوليتية وأدى انعكاس معرفة الثورة الإنسانية الكبرى على العالم الذهني إلى نمط تقديس وضع الربة المرأة في المركز، وتحقق خلق وتعريف النباتات والزراعة وتدجين الحيوانات وصناعة الأوعية والنسيج وبناء البيوت وتربية الأطفال والفلاحة والحراثة والأشجار المثمرة من خلال الدور الريادي للمرأة، وتأخذ الربة القوية مصدرها من هذا المجتمع الأمومي، إن جميع الهياكل المتبقية من تلك المرحلة ترمز إلى المرأة وهي من الأمثلة الأساسية التي تثبت هذه الحقيقة.

نجد ثقافة المجتمع النيوليتي الذي ترك بصمته على التاريخ أصالتها في هذه المنطقة، وإن المناطق الممتدة من شرق البحر الأبيض المتوسط حتى سلسلة جبال زاغروس، ومن الصحراء الشمالية لشبه الجزيرة العربية حتى جبال طوروس في الأناضول وأحواض الجبال التي تنبع منها أنهار الفرات ودجلة والسهول الموجودة هي المراكز الأساسية التي تشكل فيها هذا المجتمع، وتأتي تسمية هذه المنطقة بالهلال الخصيب في التاريخ من خصائصها المذكورة، لقد استمدت الإنسانية غذائها مدة عشرة آلاف سنة من خلال الدور الخلاق لهذه المنطقة، وكأنها تقوم بدور ريادي في كل الأزمنة للمجتمع البشري في العالم.

لم يكن الانتشار الثقافي محصوراً في الإنتاج المادي فقط، والحقيقة الأخرى هي إن المصدر الأساسي لمجموعة اللغات الهندو-أوروبية هو القسم العلوي لضفتي الفرات ودجلة، الذي تحققت فيه هذه الثورة الكبيرة، ويمكن اثبات تشكل الإرث الهام لهذا التاريخ والذي نسميه مجموعة اللغات والثقافة الآرية في هذا المصدر الأساسي ابتداء من الألف الحادي عشر قبل الميلاد تقريباً. ويمكن استنتاج إن اللغة والثقافة الآرية هي نتاج الثورة الزراعية والحيوانية.

لم تأتي مجموعة اللغة والثقافة المسمات (الهندو-اوروبية) من سهول أوروبا وروسيا إلى المناطق الجنوبية والشرق اوسطية كما يُدَعى، بل إن انتشارها حدث من الهلال الخصيب وإلى هذه المناطق وهذه حقيقة تاريخية تم اثباتها تماماً.

صحيح إن التاريخ المدون يبدأ بالسومريين لكن السومريون أخذوا كل شيء يملكونه من المجتمع النيوليتي.

 إن انتشار السومريين من ميزوبوتاميا الشمالية إلى ميزوبوتاميا الجنوبية أمر مثبت بالوثائق. لم يخلق المجتمع النيوليتي ثقافة أو مجتمعاً فيزيائياً أتاهم من الخارج، بل إن الثقافة مستقرة في المنطقة منذ العصور القديمة والمجموعات المحلية كمجموعة خلاقة هي الأصل، وتمتلك خصائص أصيلة فمن الواضح إن مصدر انانا السومرية والربة عشتار عند الأكاديين هو كلمة ستار (star) وهي مشتقة من كلمة ستيرك (sterk) التي تعني أسمى وأكبر شيء والتي تعتبر ربة حتى في ثقافة يومنا هذا يتم تسمية ثقافة الربات هذه بـ (نينهورساغ) التي تعني ربة المنطقة الجبلية في الثقافة السومرية وعلاقة ذلك واضحة بإرث ستارك وتظهر جميع الدراسات إنه قد تم ترميز الآلهة الربات في العصر النيوليتي بالكواكب، وتعني كلمة ستارك باللغة الكردية الكوكب وتعني أكبر شيء من الناحية الثقافية أي الربة أو الإله، إن ترميز الآلهة عند إظهارها لأول مرة بالكواكب هو أمر ذا منشأ كردي وشكل ذلك أساسا لكل الأديان السماوية.

يمكننا القول إنه لا يوجد أي شعب من الشعوب خلق العصر النيوليتي وعاشه بعمق مثل أصول الكرد فقد تم عيش هذه الأصالة بشكل كثيف في الظاهرة الكردية من حيث الزمان والشمولية وأخذ الكرد كل قوتهم وطاقتهم من هذا العصر.

 إن عدم وجود تاريخ مدون في العصر النيوليتي لا يعني عدم وجود تاريخ للشعوب التي عاشته”.

الكرد والعصر العبودي:

يقول المفكر عبدالله أوجلان في مؤلفه دفاع عن الشعب “كان لأجداد الكرد الحاليين دور فعال وريادي على مسرح التاريخ في هذا العصر الذي بدأ فيه التاريخ المدون.

لقد سمى السومريون هذه المجموعات بالهوريين والكوتيين والكاستيين.

وعند دراسة ذلك من ناحية علم الأعراق، نرى كلمة الهوري (Horrit) تعني أصحاب البلاد العالية أو الجبليين.

أما كلمة كوتي (Guti) وتعني الثور باللغة الكردية وتعني مجموعة الشعب الذي يملك الثيران، أما الكاستيين فتعني المجموعات الكادحة أو الفقيرة.

واتخذ السومريون من الهوريين والكوتيين والكاستيين أساساً لهم في تحالفاتهم ضد الأكاديين والبابليين ذو الجذور السامية، وقاموا بإسقاط سلالة سرجون الأكادي معاً، وحكمت سلالات من الكوتيين والكاسيين المدن السومرية لمدة طويلة.

وعندما ننظر إلى بنية اللغة والثقافة السومرية، نرى إنها قد أخذت كل تجهيزاتها التقنية من الهوريين الذين خلقوا العصر النيوليتي في الضفاف العلوية لدجلة والفرات والزاب، وأخذ السومريون مصطلحات المعلومات الأساسية والثقافة من تلك الثقافة على الأغلب.

وكلمة “كورتي” ذات أصول سومرية وكلمة “كرد” في اللغة السومرية تعني “الجبل” أما اللاحقة “تي” فهي للانتماء أي إن كلمة “كورتي” تعني “الجبليون” أي الشعب الجبلي تعود هذه الكلمة إلى أعوام (3000ق.م).

واستخدم الآشوريين كلمة “النائريين” أي نائري وتعني شعب النهر.

ونجد إن تسمية “ماداين” (Madain) وماد ترجح كفتها من أجل الأجزاء الأوسع وتعني وطن المعدن. معلوم إن هذه التسمية كانت دارجة وقت الآشوريين في الفترة المتراوحة بين (1300-1600ق.م).

وكلمة “اورارتو” (Urartu) ذات أصل سومري وتعني الأرض العالية أو مملكة التلال العالية.

أما في عهد السلاطين العرب في العصور الوسطى فتستخدم تسمية “بلاد الأكراد”، في حين إن السلاطين السلاجقة المتحدثين باللغة الفارسية كانوا أول من استخدموا كلمة “كردستان ” رسمياً والتي لا يزال معناها اليوم هو ذاته ألا وهو “ديار الكرد” أو “موطن الكرد”. وقام السلاطين العثمانيين وبالأخص السلطان ياووز سليم بالإكثار من استخدام كلمة كردستان .

والتنقيب الذي حدث مؤخراً في شمالي كردستان وتحديداً في “غوباكلي تبه” المسمى أيضا “خراب رشكى” حيث ثبت من هذا الكشف عن دورها المحوري كمركز لأقدم قبيلة ودين يمتد بجذوره إلى ما قبل اثني عشر ألف سنة.

وما المركز الديني في غوباكلي تبه سوى كعبة عصره، تقصده القبائل التي تعيش الاستقرار والترحال بنحو متداخل على مدى آلاف السنين. إننا نتعرف هنا على وجود ثقافة وطيدة تكونت قبل الحضارة السومرية المدنية بآلاف السنين ودامت آلاف السنين.

وكما تواجهنا في الأحجار المنتصبة هناك أمثلة الكتابة الأسبق ظهوراً من أولى حروف الكتابة الهيروغليفية الرمزية، يعد مرحلة تاريخية نفيسة.

نموذج السلطة والدولة قبل آشور

كانت سومر قد طورت أول نموذج للدولة وحسب ول ديورانت بأنه الملك – الكاهن كان يدير شؤون البلاد ولهذا كان نظام الحكم وثيق الصلة بالدين، وبعد نشوء الامبراطوريات فيها استطاعت شخصية قوية عظيمة أن تخضع المدن والملوك – الكهنة لسلطانها، وكان هذا الملك الأعظم صاحب السلطة المطلقة يحيط به جو من العنف والخوف.

وكان الملك يخرج إلى الحرب في عربة على رأس جيش مؤلف من خليط من المقاتلين المسلحين بالسهام والحراب وكانت الحرب تقوم لأسباب صريحة ألا وهي السيطرة على الطرق التجارية والاستحواذ على السلع التجارية والتوسع على حساب أراضي الغير. وكان الملك أكاد (منشتوسو) أعلن صراحة إنه سيغزو بلاد عيلام ليستولي على ما فيها من مناجم الفضة وليحصل منها على حجر الديوريت لتصنع منه التماثيل التي تخلد ذكره في الأعقاب. وهي تلك الحروب الوحيدة في التاريخ التي تخوضها الجيوش لأغراض فنية.

وكان المغلوبون يباعون ليكونوا عبيداً، وإذا لم يكن في بيعهم ربح ذبحوا في ميادين القتال، وكان يحدث أحياناً أن تقدم عشرات الأسرى قرباناً إلى الآلهة المتعطشة للدماء. والتجائهم (أي الملوك الكهنة) إلى الدين له فوائد سياسية. وكان الكهنة يعلمون الناس العلوم الدينية ويلقنونهم الأساطير، وما من شك في أنهم كانوا يتخذون من هذه الأساطير سبيلاً إلى تعليم الناس ما يريدونه هم وكذلك كانت طريقاً إلى حكم الشعب والسيطرة عليه. وتنتقل الحضارة من أور إلى بابل وبالانتقال تطور شكل الحكم من شكل دولة إلى شكل امبراطوري توسعي. وفي السلالة الجديدة للأصل السامي الأكبر فقد انتهت الحروب التي شبت بينهما بانتصار أكاد وتأسيس مدينة بابل لتكون حاضرة أرض الجزيرة السفلى بأجمعها وتطل علينا من بداية هذا التاريخ شخصية قوية هي شخصية “حمورابي” (2123-2081 ق.م) الفاتح المشروع الذي دام حكمه ثلاثة وأربعين سنة.

حيث كانت قوانينه تمتاز بصفتها الدنيوية غير الدينية وأشاد المعابد والقلاع واسترضى الكهنة. وغدت بابل مدينة ثرية. فالثراء يبعث الغنى كما يبعث الخمول، هو يرقق أجسام الناس وطباعهم ويمهد لهم طريق البدعة والنعيم والترف ويغري أصحاب السواعد القوية والبطون الجائعة بغزو البلاد ذات الثراء. الثروة تخلق المدن لكن هي نفسها من تنذر بانحلالها وسقوطها أيضاً حتى قامت دولة “آشور” فبسطت سيادتها على بابل ولما ثارت بابل على هذا الحكم دمرها سنحريب بحيث لم يكد يبقى منها شيء.

 موقع نينوى الجيوستراتيجي:

تأتي أهمية هذه المدينة بسبب موقعها الاستراتيجي من ناحية اتخاذها كمركز لشن الهجمات على الامبراطوريات المعادية وأيضاً مناعة هذه المدينة للدفاع عنها من الهجمات المعادية فوقوعها على نهر دجلة خلق لها اسواراً طبيعية للدفاع عنها وأيضا وجود هذا النهر جعل للمدينة ميزة أخرى من قبيل خصوبة الأراضي المجاورة للنهر من ناحية الزراعة.

 كل تلك الميزات جعلت من هذه المدينة نصب أعين كل الامبراطوريات التوسعية التي نشبت في هذه المنطقة، لكن أيضا موقعها جلب لها العديد من المآسي والويلات.

نينوى والامبراطورية الآشورية:

“في بداية نشوء هذه الدولة الجديدة كانت عاصمتها “آشور” (قلعة شرقاط) وكانت تسمى بـ “آشور” نسبة إلى إلههم (آشور) ومثلما كان في زمن الدولة البابلية حكامهم يطلقون على أنفسهم بالآلهة ووصلت هذه الثقافة إلى “آشور” لإن المملكة الآشورية في بداية نشوءها سميت على اسم إلههم “آشور” وترك الآشوريين مملكتهم الأصلية لسببين الأول تعرضها لحر الصحراء اللافح والسبب الثاني لهجمات جيرانهم البابليين وكانت هذه العاصمة الثانية هي نينوى وسبب اختيار الآشوريين لنينوى يعود لوقوعها بالقرب من نهر دجلة وأجواءها المعتدلة والتي ساعدت على ازدهار وتطور الزراعة والاخضرار بشكل عام ومن جهة أخرى أصبح نهر دجلة حدوداً طبيعية منيعة لحماية المملكة الآشورية.

 حيث كانت نينوى قبل قدوم الآشوريين متأثرة بثقافة الآلهة الأم ستار وكلمة ستار بالكردية أي النجمة والآشوريين أخذوا هذه الثقافة فيما بعد ونطقوا بها حسب لفظهم واشتار واعشتار وكأنه معروف في المصادر والمراجع. ول ديورانت في دراسته عن نشأة الحضارة في الشرق الأدنى يوضح بأن الساميين الذين جاؤوا إليها من بلاد الجنوب المتحضرة (أمثال بابل وأكاد). وكان يوجد أجداد الكرد (الميتانيين) في نينوى _وحسب الاكتشافات والرسوم ضمن المكتشفات الموجودة أيام الميتانيين يظهر بوضوح دور المرأة والصور المأخوذة للهياكل تعطي شكل قوي ودور فعال للمرأة_ ولهذا حسب ديورانت بأنه كان يوجد الكرد ويركز على الميتانيين أجداد الكرد ولو تتعمق في الحضارة الآشورية يطغى عليها دور الآلهة الرجال المعروف بإله “آشور” وسميت “آشور” باسم هذا إله وليس المملكة الآشورية وحتى سميت الامبراطورية الآشورية بهذا الاسم نسبة الآلهة الآشورية. وعندما نميز ثقافة الآلهة الرجال وثقافة الآلهة الأم حيث يتميز ثقافة الآلهة الرجال بالقسوة والعنف والحرب …..الخ فثقافة الآلهة الأم الطبيعية الأصلية التي ترتكز إلى الأمومة والخصوبة والزراعة وتربية الحيوانات جوهرها السلم.

وبعد أن دخل الآشوريون نينوى تغيرت ثقافة الآلهة الانثوية إلى الآلهة الذكورية، ومن المملكة الآشورية إلى الامبراطورية الآشورية التوسعية حيث حكمت هذه الامبراطورية بلاد الشرق الأدنى حوالي مائة عام كاملة من خلال قوتهم الوحشية (الامبراطورية الآشورية وليس الشعب الآشوري) واستولوا على المدن في عيلام – سومر- أكاد – بابل – فينيقية – مصر. وتاريخهم كان تاريخ الملوك والرقيق والحروب والفتوح والانتصارات الدموية والهزائم المفاجئة. لقب ملوك الآشور يتباهون به (الملك صاحب الحكم الشامل). على إن أول الاسماء العظيمة في تاريخ “آشور” هو اسم (تغلت فلاصر) الأول وكان يقال عنه بأنه كان يصطاد الأمم والحيوانات على السواء فقد قمع الشعوب واقتحم المدن وسرق منها الغنائم واستولى على ما لا حصر له من بضائعهم وأملاكهم وحرق مدنهم بالنار ودمرها و خربها خرج هذا الملك بجيوشه في كل اتجاه فأخضع الحثيين والأرمن وأربعين أمة غيرها واستولى على بابل وأرهب مصر ومات تغلت فلاصر خذياً وغماً وكان حكمه رمزاً لتاريخ السلطة في “آشور” وصورة مصغرة منه: حرب وجزية فرضهما على جيرانه ثم فرض على “آشور” نفسها واستولى “آشور” ناصر بال على اثني عشرة دويلة صغيرة وعاد من حروبه بغنائم كثيرة وسحل بيده عيون خمسين من الأسرى ومن ثم نصر الثالث هذه الفتوح جنى دمشق وحارب عدة وقائع تكبد فيها خسائر فادحة وقتل في واقعة واحدة ستة عشر ألفاً من السوريين وشيد الهياكل وفرض الجزية على المغلوبين ثم ثار ابنه عليه بشكل عنيف وخلعه وجيَش تغلت فلاصر الثالث جيوشاً جديدة واستعاد ارمينية واجتاح سوريا وبابل ما أخضع لحكمه دمشق والسامرة، بابل ومد ملك “آشور” من جبال قفقاس إلى مصر وأشادوا الكثير من القصور والهياكل وكانت سياستهم الامبراطورية حازمة قوية. وعلى إثر انقلاب من قبل من سرجون الثاني الذي استلم الحكم وقاد الجيوش وهزم عيلام ومصر واسترد بابل وخضع له اليهود والفلسطينيين واليونان وسكان قبرص وقضى ابنه سنحريب على أي عصيان في الولايات المجاورة للخليج العربي (الفارسي) وهاجم أورشليم ومصر ونهب تسعاً وثمانين مدينة وثمانمائة وعشرين قرية وغنم سبعة آلاف ومائتي جواد وثمانين ألف ثور وثمانمائة ألف رأس من الغنم ومائتين وثمانية آلاف من الاسرى وثم غضب على بابل لنزعتها إلى الحرية فحاصرها واستولى عليها وأشعل فيها النار فدمرها تدميراً و لم يكد يبقى على أحد من أهلها من رجلٍ أو امرأة صغيراً كان أم كبيراً بل قتلهم عن آخرهم تقريباً حتى سدت جثثهم مسالك المدينة ونهبت المعابد حتى لم يبقى فيها شيء، وحطمت آلهة بابل صاحبة السلطان الأعظم القديم وسيقت أسيرة ذليلة إلى نينوى. واستخدم سنحريب غنائم نصره وما نهبه من البلاد المفتوحة في إعادة بناء بلاد نينوى وحول مجرى النهرين لحمايتها من الاعتداء وقتل على يد أحد ابناءه وقام ابن له من غير قتلته وهو (عسر هدن) وانتزع العرش من أخوته السفاحين وغزا مصر ليعاقبها على ما قدمته من المعونة للثوار السوريين وضمها إلى أملاكه وأدهش غربي اسيا بحملاته من منف إلى نينوى ومن خلفه ما لا يحص من الغنائم وجعل امبراطورية “آشور” سيدة بلاد الشرق الادنى بأجمعها ومات عسر هدن وهو سائر إلى مصر ليخمد فيها ثورة وجاء خلفه “آشور بانيبال” ووصلت “آشور” خلال حكمه الطويل إلى ذروة التحكم والثروة المنهوبة ولكن بلاده بعد وفاته فقدت هذا العز، فوهنت قوتها وفسدت أمورها لطول عهدها بالحروب المنهكة التي خاضت غمارها أربعين عاماً وأدركها الفناء، ولم يمضي على موت “آشور بانيبال” عشر سنين. وقد احتفظت إحدى الكتابات بسجل سنوي لأعماله وهو سجل عمل ينتقل فيه من حرب إلى حرب ومن حصار إلى حصار ثم إلى مدن جائعة وأسرى تسلخ جلودهم وهم أحياء. وينطق في هذا الكتابات “آشور بانيبال” نفسه فيتحدث عما خربه من بلاد عيلام ويقول: (لقد خربت من بلاد عيلام ما طوله مسير شهر وخمسة وعشرين يوماً. وسقت من المغانم إلى “آشور” أبناء الملوك وأخوات الملوك وأعضاء الأسرة المالكة في عيلام صغيرهم وكبيرهم وكما سقت منها كل من كان فيها من الولاة والحكام والأشراف والصناع وجميع أهلها الذكور والاناث كباراً كانوا أو صغاراً وما كان فيها من خيل وبغال وحمير وماشية تفوق في كثرتها أسراب الجراد ونقلت إلى “آشور” تراب السوس و(منكتو)، وهلتماش وغيرها من مدائنهم. وأخضعت في مدة شهر من الأيام بلاد عيلام بأجمعها، وأخمدت في حقولها صوت الآدميين، ومرتع أقدام الضأن والماشية، وصراخ الفرح المنبعث من الأهلين وتركت هذه الحقول مرتعاً للحمير والغزلان والحيوانات البرية على اختلاف أنواعها. وجيء برأس ملك عيلام القتيل إلى “آشور بانيبال” وهو في وليمة مع زوجته في حديقة القصر، فأمر بأن يرفع الرأس على عامود الضيوف وظل المرح يجري في مجراه وعلق الرأس فيما بعد على باب نينوى، وظل معلقاً عليه حتى تعفن وتفتت. أما ونانو القائد العيلامي فقد سلخ جلده حياً ثم ذبح كما يذبح الجمل وضرب عنق أخيه، وقطع جسمه إرباً ووزع هدايا على أهل البلاد تذكاراً لهذا النصر المجيد. وكانت جرائم التقتيل والتخريب هذه في نظرهم عمليات جراحية لا بد منها لمنع الثورات وتثبيت دعائم الأمن والنظام بين الشعوب المختلفة المشاكسة المنتشرة من حدود الحبشة إلى أرمينيا، ومن سوريا إلى ميديا والتي أخضعها أسلافه في حكم آشور، لقد كانت هذه الوحشية في رأيه واجباً يفرضه عليه حرصه على أن يبقى التراث سليماً. وكان يتباهى بما وطده في ربوع امبراطوريته من الأمن والسلام وبما ساد مدنها من نظام. والحق إن هذا التباهي لم يكن على غير أساس وعلى إن هذا الملك لم يكن مجرد ملك فاتح أسكره سفك الدماء فقد بعث الملك إلى جميع أنحاء دولته يدعو النحاتين والمهندسين ليصنعوا له رسوم الهياكل والقصور ويزينوها كما فعل بعض الحكام الرومان بعد إن استولت روما على بلاد اليونان وصور حوله ما بلغه “آشور” في أيامه من الثروة والمجد وما داهمها بعدئذ من خراب شامل إذا جاز لنا أن نأخذ بالمبدأ الاستعماري القائل إن سيادة حكم القانون ونشر الأمن والتجارة والسلم في العالم تبرر اخضاع الكثير من الدول طوعاً أو كرهاً لسلطان حكومة واحدة، إذا جاز لنا أن نأخذ بهذا المبدأ كان علينا أن نقر لآشور بذلك الفضل الكبير وهو أنها أقامت في غربي آسيا حكماً كفل لهذا الاقليم قسطاً من النظام والرخاء فيما نعلم قبل ذلك العهد وفلسطين وسوريا، وفينيقية وسومر، وعيلام ومصر، كانت بلا جدال أوسع نظام اداري شهده عالم البحر المتوسط أو عالم الشرق الأدنى حتى ذلك العهد. وأراد تغلث فلاصر أن يتحاشى خطر هذه الثورات المتكررة فوضع تلك السياسة التي تمتاز بها “آشور” على غيرها من الأمم وهي نقل أهل البلاد المفتوحة إلى بلاد أخرى بعيدة، يمتزجون فيها بسكانها الأصليين امتزاجاً قد يفقدهم وحدتهم وكيانهم ويقلل الفرص السانحة لهم للعصيان. إلا إن هذه الخطة لم تمنع اندلاع لهيب الثورات.

الجيش في حكم الامبراطورية الآشورية:

كان الجيش أقوى دعامة للدولة وأهم مقوماتها، وكانت “آشور” تعترف اعترافاً صريحاً بأن الحكم هو تأميم القوة، والاستيلاء على اراضي الغير كان يعتبر تطوراً وتقدماً بالنسبة لهم ويعودون بهذا الفضل إلى فن الحرب. فهي التي نظمت فرق المركبات، والفرسان، والمشاة، ووضعوا لهذه الفرق أساليباً وشكل تنظيمي يسهل تحريكها وتوجيهها من ناحية أخرى إلى ميدان القتال. وكانت لهم آلات للحصار والتي لا تقل في قوتها عما كان منها عند الرومان، وكانوا يجيدون فهم الفنون الحربية الخاصة بتعبئة الجنود وحركاتهم. وكانت القاعدة الأساسية التي تقوم عليها حركاتهم العسكرية هي السرعة التي تمكنهم من مهاجمة كل قسم من أقسام الجيوش المعادية على انفراد. وبعد التقدم الجديد في الصناعة عندهم إلى حد أمكنهم أن يلبسوا الجنود حللاً حديدية وحتى الرماة وحملة الرماح كانوا يلبسون على رؤوسهم خوذاً من النحاس أو الحديد. ومجنحات ضخمة ونطاقات من الجلد المغطى بأسقاط معدنية. وكانت أسلحتهم السهام والرماح، والسيف القصار والصوالح والهراوات المنتفخة الرؤوس والمقاذيف والبلط الحربية. وكان أكابر القوم يحاربون في عربات في طليعة الجيش، يقودهم في العادة ملكهم بنفسه وهو راكب في عربة ملكية، ولم يكن القواد قد تعلموا أن يموتوا في فراشهم. وأدخل “آشور بانيبال” نظام استخدام الفرسان لمعاونة المركبات، وكانت أهم أدوات الحصار هي الكباش المسلحة مقدماتها بالحديد وأحياناً كانت تجري على عجلات. أما المحاصرون فكانوا يحاربون ما وراء الأسوار بالقذائف والمشاعل، والغاز الملتهب والسلاسل التي يراد بها عرقلة الكباش واوعية من غازات نتنة تذهب بعقول الأعداء. وما أشبه اليوم مرة أخرى بالبارحة. وكانت العادة المألوفة أن تدمر المدينة المغلوبة وتحرق عن آخرها، وكان المنتصرون يبالغون في محو معالمها بتقطيع أشجارها. وكانوا يضمنون شجاعتهم باتباع العادة المألوفة في الشرق الأدنى، وهي اتخاذ جميع أسرى الحرب عبيداً أو قتلهم عن آخرهم. وكان الجنود يكافؤون على كل رأس مقطوع بحمولته من ميدان القتال، ولهذا كانت تعقب المعركة في أغلب الأحيان مجزرة تقطع فيها رؤوس الأعداء، وكثيراً ما كان الأسرى يقتلون عن آخرهم بعد الواقعة حتى لا يستهلكون الكثير من الطعام وحتى لا يشكلوا خطراً على مؤخرة الجيش أو مصدر متاعب له. وكانت طريقة التخلص من الأسرى أن يركعوا متجهين بظهورهم إلى من أسروهم، ثم يضرب الآسرون رؤوسهم بالهراوات، ثم يقطعونها بسيوفهم القصيرة. وكان الكتبة يقفون إلى جانبهم ليحصدوا عدد من يأسرهم كل جندي ويقتلهم، وكان الملك إذا سمح له وقته يرأس هذه المجزرة وكانت تتبع عادات أخرى كصلم آذانهم وقطع الأنوف وتقطيع الأيادي والأرجل، أو القذف بهم إلى الأرض من أبراج عالية، أو تقطع رؤوسهم ورؤوس أبنائهم. أو تسلخ جلودهم وهم أحياء أو يشوى أجسامهم فوق نار هادئة. ولعل ما أشيع من حسن معاملة الاسكندر وقيصر للأسرى ورحمتهما بهم كانا من أسباب قضائهما على روح أعدائهم المعنوية وسرعة استيلائهما على بلاد البحر المتوسط.

الديانة في الامبراطورية الآشورية:

اعتمد ملوك الآشور على قوة الدين، فقد كان اجماع القوم منعقداً على رأس الدولة من المواجهة الرسمية الالهة “آشور” وكانت الاوامر الرسمية تصدر باسمه، وكل القوانين قرارات تمليها ارادته الالهية. وكل الضرائب تجمع لخزانته وكل الحروب تشن لتأتي له (لآلهة غيره أحياناً) بالمغانم والمجد.

وكان الملك يحمل الناس على أن يصفوه بإنه الإله، وكان في العادة هو الإله شمس (الشمس) مجسماً فيه وقد أخذ الآشوريين دينهم عن سومر وبابل كما أخذوا عنها علومها وفنونها، وكانت هذه كلها تكيف أحياناً كما يتفق مع مطالب الدولة العسكرية. وأظهر ما كان هذا التكييف في القانون، قد يمتاز بالقسوة العسكرية، وكانت العقوبات تتراوح بين العرض على الجماهير الأشغال الشاقة والجلد بالسياط من عشرين إلى مائة جلدة وجذع الأنف وقطع الأذنين والاخصاء وقطع اللسان، وقلع العينين والحرق وقطع الرأس، وتصف قوانين سرجون الثاني بعض المتع الأخرى كشرب السم، وحرق ابن المذنب أو ابنته حيين على مذبح الإله. وكانوا يلجؤون أحياناً إلى طريقة حكم الإله، فكان المتهم يلقى في النهر وهو مقيد القدمين في بعض الأحيان يترك الحكم عليه لمشيئة الماء، وكانت القوانين الآشورية في العادة أبعد عن الطابع الدنيوي وأكثر بدائية من قوانين حمورابي البابلية التي كانت على ما يبدو أقدم منها عهداً وكان للملك جواسيس يراقبون الولاة وأعوانهم وينقلون إلى الملك أخبار الرعية. كانت الحكومة الآشورية أداة حرب قبل كل شيء، وكانت الحرب عندهم أنفع من السلم، وحسبهم يثبت النظام وتقوى روح الوطنية وتزيد سلطان الملوك وتأتي بالمغانم الكثيرة لتغني بها العاصمة والعبيد لخدمتها ومن ثم كان تاريخ الامبراطورية الآشورية يدور معظمه حول نهب المدن والقرى والحقول. ولما قمع “آشور بانيبال” بابل بعد حصار طويل مرير، كانت للمدينة منظر رهيب، تتقزز منه نفوس الآشوريين أنفسهم، فقد كانت معظم من قضت عليهم الأوبئة والقحط ملقين في الطرقات والميادين العامة فريسة للكلاب والخنازير، وحاول من تبقى له القليل من القوة من الأهليين أو الجنود أن يفروا إلى الريف، ولم يتبقى في المدينة إلا من لم يملك القوة الكافية للهروب خارج أسوارها، فطارد “آشور بانيبال” هؤلاء المشردين وما إن قبض عليهم جميعا تقريباً صب عليهم جام غضبه ونقمته، فأمر أن تقتلع ألسنة الجنود ومن ثم يضربوا بالهراوات حتى الموت، أما الأهالي فأمر بذبحهم أمام العجول المجنحة العظيمة التي شهدت مذبحة أخرى أقدم منها في عهد جده سنحاريب.

وكان هذا الاسراف في العنف من أكبر أسباب ضعف المماليك الشرقية ذلك إن الثورات المتكررة لم تكن مقصورة على أهل الولايات، بل إن قصور الملوك وأسرهم كثيرا ما كانت تهب لتقلب بالعنف ذلك النظام الذي قام على العنف والذي يستند إلى العنف، وكثيرا ما كانت الفتنة تقع بين الثوريين المطالبين بالعرش في أواخر أيام كل ملك أو حين وفاته.

فكان الملك المعمر يرى المؤامرات تحاك ضده ومن حوله وكثيرا ما كان يستعجل موته بقتله. وكانت أمم الشرق الأدنى تؤثر الثورات العنيفة وكانت الوسيلة التي يتبنوها لسحب ثقتهم من حاكمهم هي القضاء على حياته”. 

الحياة في آشور:

اهتم البابليون بالتجارة في حين إن الآشوريين اهتموا بالزراعة لوفرة مياه نهر دجلة وكانت “آشور” تشجع على الاكثار من النسل بقوانينها الأخلاقية وبما تسنه من شرائع شأنها شأن جميع الدول العسكرية، فكان الإجهاض عندهم جريمة يعاقب عليها بالإعدام وكانت منزلة النساء في “آشور” أقل منها في بابل.

ولكن يبدو إن الآشوريون يجدون متعة وتدريباً ضروريا لأبنائهم في تعذيب الأسرى وسحل عيون الأبناء أمام آبائهم وسلخ جلود الناس أحياء وشوي أجسامهم في الأفران وربطهم بالسلاسل في الأقفاص ليستمتع العامة برؤيتهم.

ويفخر “آشور بانيبال” بأنه أحرق بالنار ثلاثة آلاف أسير ولم يبق على أي منهم ليتخذه رهينة. ويقول نقش آخر من نقوشه أما اولئك المحاربون الذين أذنبوا بحق “آشور” وائتمروا بالشر فقد انتزعت السنتهم من أفواههم المعادية وأهلكتهم ومن بقي منهم على قيد الحياة قدمتهم قرابين وأطعمت أشلائهم المقطعة للكلاب والخنازير والذئاب وبهذه الاعمال أدخلت السرور على قلوب الآلهة العظام.

ويقول ملك اخر: إن عجلاتي الحربية تهلك الانسان والحيوان، إن الآثار التي اشيدها قد أقيمت من الجثث الادمية التي قطعت منها الرؤوس والأطراف ولقد قطعت ايدي كل من اسرتهم احياء.

وكان إلههم “آشور” هو إلاه قومي ذا روح حربية لا يشفق على اعدائه.

وكان العمل الجوهري الذي تؤديه الديانة الآشورية هو تدريب مواطن المستقبل على الطاعة التي تتطلبها منه وظيفته. وبذلك الجو لا تزدهر فيه الا علوم الحرب، حيث كان الطب بابليا بحتا لم يزيدوا عليه شيئا، ولم يكن علم الفلك الآشوري إلا التنجيم البابلي، ولم يعثر على ما يثبت أنهم حاولوا أن يفسروا العالم من غير طرف الدين.

سقوط آشور:

القصة التي تقول إنه أضرم النار في قصره فهلك وسط اللهب فأن مردها إلى “كي اخسار”، ومهما تكون متينة فقد كانت نذيرا بما ستؤول إليه أمر بلاده ورمزاً لآخرتها، فقد كانت هي الأخرى مقبلة على الفناء لأسباب بعضها من صنع يده، ذلك إن حياة “آشور” الاقتصادية كانت جل اعتمادها على ما يصل إليها من خارجها، وقد أسرف ملوكها في الجري على هذه السياسة، فكان مصدر حياة البلاد هو الفتوح الخارجية التي كانت تؤمن لها المال الوفير من الغنائم والمتاجر، وتلك السياسة تعرضها للخراب في لحظة إذا ما خسرت جيوشها في واقعة حاسمة، وسرعان ما أخذت الصفات الجسمية والخلقية، وكان اتساع فتوحها سببا آخر من أسباب ضعفها.

وقد اجتاح جيش من الميديين بقيادة “كي اخسار” وقوات متحالفة معه من البابليين وجحافل من أقوام أخرى وسرعان ما استولت على القلاع الشمالية بسهولة عجيبة.

وتحدث اليهود عن نينوى بأنها (المدينة الدموية) وقت الإمبراطورية الآشورية وأصبحت قصورهم خرابات وتحت الرمال” (ول ديورانت).

حيث سقطت نينوى 612 ق.م. وبسقوطها كان عيد النوروز.

الحكومة الميدية:

يقول أبو التاريخ (هيرودوت) المؤرخ التاريخي في صدد تشكيل الحكومة الميدية ما ملخصه:

“بعد إن عمرت حكومة الآشوريين (520) عاما في آسيا الشمالية (لعلها الغربية)، ثار الميديون -وكانوا خاضعين للآشوريين- في وجه حكومتهم فكان لهم السبق على كل من عداهم من الشعوب الخاضعة الأخرى في الاستقلال النهائي التام، إثر معركة حامية الوطيس دارت رحاها بينهم وبين الإمبراطورية الآشورية فقاموا عن بكرة أبيهم وغلى دم الحماس في عروقهم واقتفوا أثر الميديين حتى تخلصوا من رتق الخضوع عن “آشور” فاستقلوا استقلالا تاما لا تشوبه شائبة”.

“ويروى إنه في إحدى العهود، ظهر بين الشعب الميدي رجل يدعى ديوسس (ديوكس) وهو ابن (فراثورت-فراارتس)، يقال إنه كان يتصف برجاحة العقل والرزانة مما حذا بزرافات من الشعوب وزعمائه أن يهرعوا إليه في الملمات يلتمسون النصيحة، ويستنيرون برأيه إذا حز بهم أمر من جلائل الأمور، فطبقت شهرته الديار، وعرف بين قومه بأصالة الرأي، وحسن التصرف، وقد أدار شؤون البلاد من مدينة همذان وجعلها عاصمة لميديا واستمر حكمه ثلاث وخمسون عاما خلفه في الحكم ابنه المدعو (فرائورت) بعد إن وضع أساس الحكومة الميدية ووحد القبائل بجهود جبارة.

وقد كللت مجهوداته هذه بعلائم التوفيق وساعده على ذلك انشغال “سنحاريب” ملك “آشور” في حروب مع البابليين والعيلامين، فلم تتح لسنحاريب الفرصة لعرقلة جهود توحيد القبائل الميدية أو الوقوف في سبيل اتحاد هذه القبائل.

ويقول هيرودوت: “إن ديوسس قد توفي بعد أن حكم ثلاث وخمسون عاما وخلفه ابنه براودس”.

وقد امتد نفوذ الحكومة الميدية بين الشعوب الآرية، وإلى جانب خضوع الفرس للحكومة الميدية. كل هذا دفع بالميديين إلى النضال ضد ظلم الإمبراطورية الآشورية، وفي أول حرب لم يحالف الميديين النصر.

وبعد أن خلفه على العرش أخوه الصغير (هووخشترا-كي اكسارا-كيكاوس)، وقد كان قائدا محنكا وملكا حازما إذ وجه أول همه إلى الجيش فأعاد تنظيمه حتى أضحى من أحسن جيوش العالم، لأنه رأى بفكره الثاقب إن الانتصار على الجيش الآشوري المنظم لا يكون على يد جيش ذو أسلوب تنظيمي ضعيف، ولهذا أدخل إصلاحات هامة على أنظمته، ففصل بين الخيالة والمشاة وسلح الآخرين بالقوس والنشاب والسيف، وأحدث خيالة سريعة استطاعت إن تقهر فيما بعد فرسان الإمبراطورية الآشورية”. (محمد أمين زكي)

أعمال “كي اخسار” الحربية:

“بمجرد إن فرغ “كي اخسار” من اعداد جيشه وتسليحه على أحدث النظم، وبعد أن نجح في عقد محالفة مع ملك بابل (نبويولسر) ليقفا جبهة متراصة متحدة ضد العدو المشترك وهو ملك الإمبراطورية الآشورية، بدأت جحافل جيشه تبدأ زحفها في أوائل ديسمبر عام (615ق.م) متجهة صوب “آشور” ومرت ببلاد (نامري) و(مازوما) وحيث استولت في هجوم خاطف على بلاد (اررفا) ومدينتها ذات الأهمية البالغة بالنسبة لمملكة “آشور” والتي كان انتزاعها من جسم مملكة “آشور” خسارة جسيمة لا تعوض.

ويروى إن “كي اخسار” قد اتخذ هذه المدينة قاعدة لأعماله الحربية.

ثم استأنف الجيش الميدي زحفه في العام التالي (614ق.م) متجها صوب نينوى عاصمة الإمبراطورية الآشورية وفي طريقه إليها استولى على مدينة تاربيزي ثم يمم شطر الجنوب حسب خطة موضوعة ليتصل بالجيش البابلي وفي طريقه استولى أيضا على مدينة “آشور” (شرقاط الحالية) عاصمة “آشور” .

كما انضمت إليه القوات البابلية تنفيذا للاتفاقية التي أبرمت بينهما، وبهذا وفق “كي اخسار”في تكوين جبهة متحدة يدحر بها المدينة العاتية، وكانت الخطوة التالية لتكوين هذه الجبهة إن أعلن “كي اخسار” ملكا عليها.

وبدأت الإمبراطورية الآشورية تتعرض لأعنف هجوم شنه عليها الحلفاء، ولم تستطع جيوش الإمبراطورية الآشورية أن تحافظ على صمودها تجاه هجمات الحلفاء المتكررة والمتعاقبة واضطرت مرغمة على التسليم.

ولكن “كي اخسار” أبى عليهم الاستقرار في أي مكان وآلى على نفسه إلا أن يشتت شملهم ويقض مضاجعهم، وقد واتته الفرصة فعلا لتحقيق هذا الهدف ولاحقهم إلى آخر معاقلهم في حران آخر حصون الإمبراطورية الآشورية وبذلك تحققت آماله ثم قفل راجعا إلى بلاده مكللا بأكاليل النصر والغار.

وحول مصير الملك الآشوري يقال إنه أحرق نفسه ومن معه من الخدم بالنار لعدم تحملهم النكسات الكبرى”. (محمد امين زكي)

انكسار ميديا:

“بعد إن توفي “كي اخسار” خلفه ابنه على العرش (“استياغ”) وبسبب ضعف نظامه وإدارته وضعف تدبيره، أدى ذلك إلى انكماش الكونفدرالية الميدية وإلى تقويض دعائمها التي أقاموها بدماء أبنائهم، فأعلنوا سخطهم على سياسته وكراهيتهم لحكومته، كل هذا ساعد على اشتداد ساعد الفرس وعلى سلطانهم على حساب ميديا.

وقد انتهزت أسرة الاخميني هذه الفرصة وشمروا عن ساعدهم وشرعوا في تكوين جبهة قوية متحدة للوقوف بها في وجه ميديا ونجحوا في ضم أقوام آخرين إلى جانبهم (كالبإرث والهيركان) والتي أعلنت العصيان.

كان بطل هذه المؤامرة التي آثارت هذه الشعوب على ميديا حاكم بارس (فارس) المدعو “سيروس (كيروس) الثاني” أو “كورش الكبير”، وهذا الحاكم نفسه هو الذي حمل لواء الحرب ضد ميديا، فزحف على رأس جيش جرار هاجم به ميديا والتقى بجيش “استياغ”، واشتبكا في معركة حامية الوطيس دافع فيها “استياغ” دفاع المستميت وأبلى فيها بلاءا حسنا يحذوه الأمل في المحافظة على عرشه وعلى شرف أسرته، واستمرت المعركة سجالا بين الطرفين وكان النصر يتأرجح بين الكفتين إلى إن لعبت الخيانة دورها على يد زعيم أحد البيوتات الميدية الكبيرة وكان يدعى (هارباغوس) الذي قرر مصير الحرب بعد أن باع شرفه، وأجرم في حق وطنه، فتقدم إلى العدو طائعا، وانضم ومن معه من الجنود إلى كورش عدو وطنه اللدود وبانضمامه إلى جانب العدو وجه طعنة إلى صدر “استياغ” وجيشه، حيث ضعفت روح الجيش المعنوية وأخذت تنتابه الهزائم المتلاحقة التي لم يستطع الصمود أمامها مما أدى إلى اندلاع الهجمات المؤامرة وبهذا تم انهاء حكم ميديا ولم تقم بعد ذلك قائمة للحكومة الميدية بل أخذت تسير بخطى سريعة واسعة نحو الانحلال والاضمحلال، وما لبث أن أسدل عنها الستار، وانقرضت إثر انقلاب خطير هز أركانها المتداعية وحكم عليها بالزوال بعد أن حكمت خمسين عاما بعد المائة، وقامت على أنقاضها حكومة الاخميني الإيرانية.

وجاء في تاريخ إيران القديم (مشير الدولة) إن الشعب الميدي كان قد توطن أصلا في أذربيجان وكردستان والعراق العجمي، ثم أخذ يسعى جاهدا لنشر نفوذه حتى اتسع سلطانه ابتداءا من نهر هاليس حتى باختر إلى (افغانستان) ومن بحر قزوين حتى فارس وخوزستان”. (محمد أمين زكي)

ولدى دراسة أسباب انتصار الميديين على الآشوريين، نجد عدة عوامل أهمها:

1-إسراف الإمبراطورية الآشورية في عدوانها واستعمارها لأراضي الغير وقتل أهلها بشكل وحشي لا مثيل له.

2-أخذ من كتاب المفكر (عبد الله اوجلان) كتاب (من دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية) الجزء الثاني (صفحة 389) إن الإمبراطورية الميدية هي أهم جملة حضارية تصاعدت في المنطقة في العصر العبودي.

كان الميديون جيران الآشوريين من الشرق وهم ذو جذور هوريه، وكان الميديون يشكلون موقعا سكنيا وتحويليا وكانوا في موقع متقدم بصناعة المعادن والخشب والأحجار الثمينة وتربية الخيول وكانوا يتقربون إلى الاوراتيين في مرحلة حكمها، وعلى علاقة دائمة معهم، وكان الآشوريين يسمونهم بالميديين ومنطقة المدائن بمعنى المعادن ويشار إلى احتمال اشتقاق كلمة “ميد” من هذه التسمية ومنه يحتمل أن يكون تسميتهم من قبل الآشوريين بشعب بلاد المعادن.

دخل الميديون مرحلة تحول ايديولوجي قوي قبل أن يتصاعدوا سياسيا، وكان النبي زرادشت القائد الفكر لهذه المرحلة، وكانت الحملة الأولى لتحول الميثولوجيا السومرية إلى ميثولوجيا محلية الآرية والتي كانت إحدى الفروع الهندو-أوروبية، ويوجد لها نظاما إلهيا ثلاثيا ومن ثم أصبح ثنائيا، ومن المتوقع أن تكون ثنائية الآلهة قد تكونت في عام (1500ق.م) تقريبا على شكل ثنائية متصارعة كإله النور وإله الظلام، حيث أجرى النبي زرادشت الإصلاحات الأخلاقية الكبيرة قبل الإصلاحات التي أجراها بوذا في البراغماتية وكونفوشيوس في الطاوية وسقراط في الفلسفة وذلك في عقيدة أهورامازدا، كما قام النبي إبراهيم بإصلاحات في الميثولوجيا السومرية، كما يعتبر زرادشت الشخص الذي حول هذا المذهب الذي تعرض لإصلاحات بين أعوام (500-1000ق.م) تقريبا.

يجب تفهَم إن الإصلاحات التي قام بها النبي إبراهيم هي الخطوة النهائية لمرحلة استمرت عدة قرون، لعب في إحداها النبي إبراهيم دورا في جنوب الشرق، والأخرى التي لعب فيها زرادشت دورا في شمال الشرق.

 إن أهم تجديد قام به زرادشت هو الاعتراف بحرية إرادة الانسان التي أوصلها النظام العبودي إلى درجة عدم امتلاك الانسان لظله، وبذلك استطاع هذا التجديد تخليص الفرد من السيطرة المطلقة لآلهة العبودية، ويمثل تحديا لسيطرة الميثولوجيا العبودية المتشددة على ذهن وسلوك الانسان، ولهذا فانه يؤدي إلى مرونة وتحول كبير في صلابة النظام العبودي، وتعتبر أكثر تطرفا ونضالية بالنسبة للنبي إبراهيم بمساره المذكور.

ولم يكن دورها في تكوين الديانات التوحيدية أقل من النبي إبراهيم، حيث كان الأساس الايديولوجي يمثل استعدادا لثورة على مستوى الإرادة قبل ولادة الإمبراطورية الميدية والبارسية، ومن الصعب معارضة النظام العبودي الخاص بالنمط السومري والمصري دون تحقيق الثورة الارادية، وكان زرادشت أقوى ممثل لهذا التوجه أي الثورة الإدارية، فكما قام الاسكندر بإنشاء أكبر امبراطورية في العالم استنادا إلى أستاذه أرسطو، فقد اعتمد الذين أنشؤوا الإمبراطورية الميدية والبارسية على أخلاق زرادشت.

لعبت العشائر دورا هاما في الممارسة السياسية عبر مقاومتها للإمبراطورية الآشورية بتقنية الحديد من خلال شخصية ميثولوجيه هي شخصية كاوا الحداد، قبل انشاء الكونفدرالية الميدية ويجد التمرد والمقاومات في عصر الهوريين والميتانيين والمائيريين والاوراتيين معنى له في ملحمة كاوا الحداد وغدا رمزا في ثقافة المنطقة، تفسير الملحمة وتطورها بهذا الاتجاه عبر التاريخ أمر صحيح، فدفاع الشعوب التي تعمل بصناعة المعادن عن بلادها وقتالها من أجل الحفاظ على حرياتها، قد خلق ملحمة كاوا الحداد.

 إن اتحاد هذين الإرثين أي ثورة الإرادة القوية والأخلاق لزرادشت، وإرث كاوا الحداد الذي يعتبر رمزا لمقاومة العشائر بأسلحة من حديد لمئات السنوات، قد أسفر عنه نهاية الإمبراطورية الآشورية عام (612ق.م) في شخص الميديين. وفي الحقيقة يكون النضال الذي استمر مئات السنين قد انتهى بالنصر، ويحتفل الشعب الكردي أجمع وشعوب الشرق الأوسط معه بعيد النوروز كعيد للحرية وللربيع بعد زوال أداة الظلم المذكورة، ويشبه ذلك قضاء النبي إبراهيم على الإرث الظالم للعبودية الذي كان يتم فيه تقديم أضاحي من الأطفال، حيث بقي ذلك العيد أيضا وبمفهوم جديد، ويعبر كلا العيدين عن الخلاص والتحرر من إرث النظام العبودي، و التخلص من أدواته السياسية التي كانت تعتبر آلتين تأكلان لحوم البشر.

كان التنظيم الميدي على شكل كونفدرالية العشائر غالبا، وانتصار الميديين على الإمبراطورية الآشورية – التي تمثل عبودية العصور الأولى _ بمثابة انتهاء عصر بالنسبة للشرق الأوسط ولمجمل تاريخ العالم الحضاري الذي كان يرتبط به.

لقد تم دفن مفهوم العبودية في التاريخ بعد سقوط الآشوريين، ويعتبر المفهوم الاجتماعي والميثولوجي والديني الذي استندت إليه الإمبراطورية الميدية التي قامت على أنقاض الإمبراطورية الآشورية، هو جوهر وروح العصر التقليدي، ومثلما خلف الإرث الزرادشتي والابراهيمي القوة الايديولوجية لهذا التحول، فإن فدراليات العشائر المحلية التي استخدمت الحديد في الإنتاج والدفاع عبر شخص كاوا الحداد كانت القوة الأساسية التي أعدت العصر التقليدي الجديد، إن أهم مساهمة قامت بها الحضارة الشرقية في الحضارة الغربية تكمن في هذه النقطة، فالمرحلة التي بدأ فيها العصر التقليدي قد تم تلقيها في بلاد ميديا، التي بحث وطور فيها زرادشت ذهنية الحرية الكبيرة وروحها وارادتها، إن مرحلة المقاومة التي تواصلت على مدى ثلاثة آلاف عام والتي بدأها الهوريون واستمرت حتى الميديين هي مرحلة كبيرة رجح فيها جانب الحرية وقد أظهرها واقع الشعب المقاوم الذي وجد رمزه في كاوا الحداد، والإرادة الحرة التي تحولت في شخص زرادشت حتى ولو لم يتم عكسها في التاريخ المكتوب، بتعبير آخر اكثر وضوحا بقدر ما كانت العبودية الأولى تحت اسم العصر الأول للإنسانية منذ السومريين وحتى الآشوريين مهمة، فإن واقع الشعوب المقاومة التي تشكل العشائر أساسها، أي مقاومة الذهنية الحرة والإرادة التي لعب فيها أجداد وامهات الكرد دورا بارزا منذ الهوريين وحتى الميديين شكل واقعا تاريخيا هاما أيضا، كان أحدهما هو تاريخ النهب والعنف للحاكمين المستبدين، والآخر تاريخ الحرية والعمل الذي يتبنى جهد وحريات الشعوب، و إن قيمة آخر خطوة في بلاد ميديا هي مهمة إلى هذه الدرجة، ونيلها القيمة كأكبر تجديد وخلق الجديد واعتباره عيد الحرية لجميع شعوب الشرق الأوسط والقوقاز وأسيا الوسطى له علاقة بهذا التطور التاريخي عن كثب.

الكرد في العصر الإسلامي:

في المرحلة الاقطاعية وقت ظهور الديانة الإسلامية القاطعة أشواطا سريعة في التقدم مع انهيار الساسانيين (650م)، حيث مر الكرد في هذه الظروف بتحول اجتماعي وقد خلف ارستقراطية اقطاعية في صفوف الكرد وغدت القوى الهرمية الكردية التي مرت بتحول بارز تحت تأثير التعريب القوي. أدى ذلك إلى تحول مهم طرأ في ذهنية المجتمع الكردي بحيث لم يعد ثمة أثر لبقايا الزردشتية ما عدا الزردشتيين (الايزيديين) والاحتمال الأكبر هو لعب هذا التحول دور الثورة المضادة في تطور التواطؤ الكردي.

سادت اللغة العربية في المدن المؤسلمة وتجذرت الثقافة ذات الغطاء الإسلامي في صفوف الكرد، وكانت الزردشتية في صفوف الوسط الإسلامي ضرب من ضروب المقاومة الثقافية، إنها مقاومة نبيلة للثقافة الكردية إزاء الاغتراب.

 إن الإسلام السياسي والبعيد عن الجوهر الحقيقي للاسلام أثر بشكل سلبي على المجتمع الكردي وأبعده عن حقيقته وعاش حقيقة مغتربة وذلك بفقدان الكرد للايديولوجية الزردشتية المقاومة، وعندما فرض الإسلام السياسي عليهم تم الابتعاد عن معنى الحرية، وعن حقيقة “النوروز”، لأنه معنى النوروز (اليوم الجديد) أي الرجوع إلى الأصل والعيش بحرية ومحاربة جميع أشكال العبودية ولهذا يتوضح فقدان الكرد بدرجة كبيرة لثقافة المقاومة وعاش المجتمع الكردي كل هذه الفترة مغتربا عن حقيقته، ذلك إن الاقطاعية تطورت على الدوام على حساب الحرية والعشائرية، فشكلت بالتالي مرحلة مهمة من الاغتراب الذهني، ولو لاحظنا شخصية “ادريس البدليسي” من حيث ثنائه للسلطان وتواطؤه مع الدولة. ولو عدنا قليلا إلى وقت الحروب العثمانية – الفارسية نجد أنهم عمقوا العبودية في وطن الكرد واستخدموه بشتى الوسائل خدمة لسياستهم الاستعمارية، ولم تنته تصفية الحسابات بين الامبراطوريتين إلا في النصف الأول من القرن السابع عشر بتقسيم كردستان فيما بينهما، وكيف كانت نتائج التقسيم لكردستان بين الامبراطوريتين على المجتمع الكردي لأنه تم تطبيق سياسة “فرق تسد”، حيث إن وطن الكرد كان منذ القدم واحدا وحرا ولكن تم تجزئته لأول مرة من الناحية الجغرافية والمجتمعية ونتيجة لذلك تعمق روح العبودية والاغتراب عن الحقيقة.

لو تعمقنا قليلا في حيثيات الصراع الامبريالي على كردستان وتقسيمها أثناء الربع الأول من القرن العشرين، فإذا ما كانت توجد في يومنا هذا مسألة كردية مازالت قائمة، وإذا ما كانت هذه المسألة لم تجد حلا حتى الآن، نجد إن السبب يعود إلى سياسة التقسيم الامبريالي لكردستان وبجعله أربعة أقسام وهدفا لسياسة “فرق تسد” ذلك أن هذه السياسة تشل عقل الأمة.

الكرد في العصر الحديث:

حصلت جميع المستعمرات على استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية بهذا القدر أو ذاك، لكن ظل الوضع في كردستان على حاله دون تغيير ولو قيد انملة. والجمهورية الكردية التي تأسست في مهاباد عام (1946م) أسقطت في نفس العام وكان للاتحاد السوفياتي تأثير لا يستهان به في تأسيسها وسقوطها.

لقد لجأت كافة الدول التي تستغل كردستان بصفتها مستعمرة مشتركة مرارا وتكرارا إلى تشريد الكرد من موطنهم بهدف تغيير ديمغرافية كردستان، وحاولت الدول العنصرية والاستعمارية على كردستان تطبيق سياسة الصهر والاذابة أو ازالتهم من الوجود وإبادة حلبجة بالأسلحة الكيميائية والإبادات التي طبقت على الكرد الايزيديين وفي ابادات ديرسم ……الخ خير دليل على ذلك. حيث إن القوى الاستعمارية ترغب في أن ترى شعبا مستسلما لقدره لا يقاوم ولا يطالب بأي من حقوقه ويطيع كل ما يؤمر به، تلك مأساة تتكشف أبعادها في مرحلة يكافح فيها الشعب ضد مصير حددته له القوى الامبريالية والاستعمارية، ومهما كانت محاطة بالأعداء من جميع الجهات ولكن تكافح من أجل نيل حريتها أي الوصول إلى النوروز الجديد العيد الوطني والإنساني للكرد، إن مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها مبدأ سليم، حيث إنه من لا يتمتع بالحرية والاستقلال الوطني لا يمكن أن يتمتع بحريته الشخصية.

مرة أخرى يقول البروفيسور د.بيشكجي “لقد أحدث تأسيس حزب العمال الكردستاني تحولا مهما في تاريخ الكرد وكردستان”.

النضال من أجل الحرية والاستقلال الوطني:

بعد تأسيس حزب العمال الكردستاني بقيادة المناضل عبدالله أوجلان (1978) وبنضاله المرير وبالأخص مع بدء خلق ايديولوجية تحررية المانيفستو الأول “طريق تحرير كردستان”، ولأنه بعد زوال الايديولوجية الزرادشتية ضعفت المقاومة الشاملة المنادية بالحرية، ولهذا وبظهور ايديولوجية المناضل الكبير عبدالله أوجلان خلف تنظيم قوي وظهور مقاومات قوية في السجون كمقاومة مظلوم دوغان الذي أحرق نفسه في أقبية السجون رافضا الركوع وتخلد ذكراه في نوروز عام (1980) وبالأخص بدء كفاح الكريلا (15 آب 1984) لأنه تم التغلب على الخوف والبدء بالكفاح.

وبنفس الوقت تطوير حركة جماهيرية مرتبطة بالحرية والعدالة، ولهذا ترى الجماهير الشعبية الكردية في حزب العمال الكردستاني قوة قادرة على التصدي تجاه الأعداء.

كل هذا رسخ معاني عيد النوروز والارتباط به والتجمع بالآلاف والملايين صفا واحدا للاحتفال بالنوروز ومدينة آمد أكبر شاهد على ذلك. وسبب مؤامرة الخامس عشر من شباط (1999) على القائد الكردي عبد الله أوجلان، ولإن كردستان مستعمرة دولية فإن القوى الدولية وبالأخص أمريكا وانكلترا لاحظوا بأن كردستان والكرد كانوا يخرجون من تحت سيطرتهم تدريجيا، وانفلات زمام السيطرة على الكرد من بين أيديهم كان وضعا لا يمكن قبوله بالنسبة إليهم ولهذا قاموا بتطبيق المؤامرة ووضع حد نهائي للهوية الكردية المستقلة ولنهج الحرية. وكما كانت الايديولوجية الزرادشتية متجذرة وقت تحرر ميديا من ظلم الإمبراطورية الآشورية.

ونفس الشيء يلاحظ في جميع أجزاء كردستان وفي بعض دول العالم ومن ضمنها أوروبا تعمقت وتجذرت هذه الايديولوجية المنادية بالعصرانية والديمقراطية، نرى غربي كردستان وشمالي كردستان وجنوبي كردستان وشرقي كردستان تعيش مقاومة حقيقية من أجل الحرية.

في مرحلة الحرب العالمية الثالثة وضمن فوضى الشرق الأوسط وضمن أشد الهجمات الوحشية المسيرة من التنظيمات الإرهابية كداعش وكيف قام هذا التنظيم بالاستيلاء على مدينة الموصل وجعلها مدينة دموية واستخدامها من أجل التوسع الاستعماري وكيف قطعت الرؤوس وعلقت على أسوار نينوى في العصور القديمة نجد الآن نفس الأسلوب ونفس الطريقة بقطع الرؤوس وحرق القرى وسبي النساء وبمساعدة من الدولة التركية وأكبر حملة إبادة على الكرد الايزيديين وأيضا على مدينة كوباني. وإن المقاومين بروح فدائية وبشكل منظم (YPG-YPJ-HPG-HRK-YPS-قوات سوريا الديمقراطية) كلهم يناضلون بنفس ايديولوجية المفكر عبدالله أوجلان والتي تقارن بايديولوجية زرادشت – ايديولوجية المقاومة والحرية في عهد ميديا.

وقت سقوط الإمبراطورية الآشورية كان “كي اخسار” قد عاهد نفسه بأن لا يترك أي نقطة تابعة للإمبراطورية الآشورية إلا وينهيها وبانتهائها ينتهي الظلم، وأيضا في هذه المرحلة قال المفكر أوجلان من سجن ايمرالي عبر هيئات (HDP) بأن لا يتركوا تنظيم داعش وحتى إذا عبروا حدود الدول يجب على القوات الكردية أن تعبر تلك الحدود للقضاء عليهم لكن في هذه المرحلة نرى أنه هناك هجمات قوية من أطراف عديدة وأكثرية هذه الهجمات تأتي عبر دعم الدولة التركية وبحكومتها حكومة “رجب طيب اردوغان” وتلك التنظيمات صنفت في الأمم المتحدة كتنظيمات إرهابية سواء تنظيم داعش أو تنظيم جبهة النصرة والتي قصفت مراراً وتكراراً المدنيين في حي الشيخ مقصود في مدينة حلب كل ذلك بالمساعدة التركية، ولا تهاجم الدولة التركية الكرد فقط عبر هذه التنظيمات السلفية والجهادة المتطرفة بل استهدفت مدفعيتها في شهر شباط (2016) الكرد بشكل مباشر في مناطق عفرين وقراها ونواحيها.

وعندما تم الإعلان عن وقف إطلاق النار من قبل الأمم المتحدة بمبادرة أمريكية – روسية في بداية شهر آذار 2016 لاتمام اجتماعات جنيف-3، قامت الدولة التركية بمساعدة تنظيم داعش بالهجوم على مواقع وحدات حماية الشعب في كري سبي وسلوك، وتم اثبات مصادر النيران التي جاءت من قبل القوات التركية على القوات الكردية، واستشهد عدد من المحاربين جراء ذلك الاستهداف.

لهذا يتوضح معنى عيد النوروز في فترة (2016) بأنه هناك مقاومة شاملة في كافة أجزاء كردستان حيث نرى وجود ظلم كبير من قبل نظام الدولة الإيرانية واعدامها للشباب الكرد بشكل تعسفي وأمام أنظار العالم أجمع.

وموازيا لتلك المقاومة نرى تطور حركة جماهيرية بتنظيم متكامل ومتناسق في أجزاء كردستان والدول الخارجية والشيء الملفت للنظر في هكذا تاريخ يتوضح دور المرأة الفعال سواء في جبهات القتال، وإن القنوات الإعلامية العالمية قد اشادت بدور المرأة الكردية في اعلامهم بشكل مركز خلال مقاومة كوباني تجاه تنظيم داعش الإرهابي.

وأيضا يتوضح دور المرأة في الحركات الجماهيرية والمنظمات المدنية، وكيف انتصر الكرد وقت ميديا نتيجة تضحيات آلاف المقاومين من الشباب الكرد والأقوام المشاركة معهم تجاه الإمبراطورية الآشورية.

نرى في هذا التاريخ وصول عدد الشهداء إلى الآلاف في أجزاء كردستان الأربع نتيجة محاربتهم للتنظيمات الإرهابية التي عجز العالم عن محاربتها وتجاه النظام البعثي في سوريا وتجاه ظلم الدولة التركية وأيضا تجاه قمع السلطات الإيرانية.

توضح دور الكرد وقيادتهم الحكيمة بشكل استراتيجي وخاصة بعد محاربتهم التنظيمات الإرهابية وتحقيق الانتصارات العظيمة عليها وتطوير الكونفدرالية الديمقراطية ونموذج الأمة الديمقراطية ومشاركة المكونات من العرب والسريان ……الخ في تطوير النظام الديمقراطي.

هناك تشابه بين اليوم وما حدث في التاريخ لإن كاوا الحداد طور النموذج الكونفدرالي أولا ضمن القبائل الميدية ومع الأقوام الأخرى من بابليين وفرس وأرمن وغيرهم، وفي الوقت الحاضر أيضا يتطور نموذج الكونفدرالية الديمقراطية مثال على ذلك مجلس سوريا الديمقراطي وقوات سوريا الديمقراطية ونموذج الإدارة الذاتية.

بالنتيجة نجد إن كل تلك المقاومات والتضحيات مستمرة لتحقيق الغاية النهائية ولأنه ما زال تنظيم داعش موجودا وبالأخص في أهم معاقله سواء في مدينة الرقة السورية والتي جعلوها عاصمة لخلافتهم وأيضا مدينة الموصل الكردية في جنوب كردستان وجعلوها أهم معقل لهم في العراق.

وكما استنتجنا من التاريخ بأنه قبل أن يجعل أمراء “آشور” نينوى عاصمة لهم كانوا ضمن نطاق مملكة آشورية على اسم إلههم “آشور”، لكن بعد احتلالهم نينوى مدينة ثقافة الآلهة الأم ستار غيروا من معالمها وجعلوها عاصمة لإمبراطورتيهم التوسعية لأن مركز مدينة نينوى ذو موقع استراتيجي هام وبعد ذلك أصبحت مملكة “آشور” بعد التحكم بموقع نينوى امبراطورية توسعية وصلت إلى التحكم بكثير من الأوطان والشعوب، لكن بعد تحرير نينوى من سلطة الإمبراطورية الآشورية انتهت تلك الإمبراطورية وتلاشت وفي هذه الفترة إذا تم تحرير مدينة الموصل من تنظيم داعش الإرهابي سوف يحدث نهضة في المنطقة ولكن إذا تم ذلك بدور فعال من الكرد. وأيضا إذا تم تحرير مدينة الرقة من ارهابيي داعش سوف تخرج المدينة من موقع تصدير الإرهاب وسوف تتطور فيها الثقافة الكونفدرالية ونموذج الأمة الديمقراطية وسوف تكون بداية النهاية لحقبة الإرهاب وتحرير شعوب المنطقة.

وعنما أدار الميديون مدينة نينوى عاد إليها الثقافة الزردشتية وأصبحت مركزا للعدالة والسلام والعيش الأخوي وعمت المنطقة عصر النهضة بتحرير العديد من الشعوب بينهم الشعب الآشوري أيضا من نظام سلطة “آشور” والامبراطورية الدموية.

في فترة الإمبراطورية الآشورية التوسعية كان للكرد الميديين دور تحرري ديمقراطي عادل والآن في فترة الفوضى البينية التي يعيشها الشرق الأوسط وظروف الحرب العالمية الثالثة يظهر دور الكرد الفعال والمحوري لتحقيق الحرية وتطوير نظام ديمقراطي وهذا سيكون عيد نوروز العصري وحقا سيكون حسب معناه اليوم الجديد أي التخلص من الظلم والظلام وتحقيق الحرية والعدالة الديمقراطية، وبهذا سوف تتحرر الكثير من الشعوب بقيادتهم الحكيمة.

ولهذا كله النوروز هو عيد الفرحة والبهجة والمهرجانات والاحتفالات وسيكون دور المقاومة لامعا في جبهات القتال ضد الدولة والحكومة التركية الاستغلالية والنظام الإيراني القمعي والنظام البعثي في سوريا وتجاه التنظيمات الإرهابية.

بسام خلو

 

المراجع:

1-أوجلان، عبدالله- من دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطي.

2-أوجلان، عبدالله- الدفاع عن الشعب.

3-أوجلان، عبدالله- مانفيستو الحضارة الديمقراطية (القضية الكردية وحل الامة الديمقراطية).

4-بيشكجي، اسماعيل- كردستان مستعمرة دولية.

5-ديورانت، ول- قصة الحضارة الجزء الثاني.

6-زكي، محمد أمين- تاريخ الكرد وكردستان.