سعى الإنسان ومنذ الأزل لإيجاد علاقة مع من حوله من الأفراد وذلك ليضمن الاستقرار والطمأنينة لنفسه… وبما أن الدولة كمؤسسة اجتماعية كبرى تضم الأفراد داخل ربوعها لذا سعت إلى إيجاد علاقات مع العالم الخارجي لتحقيق التعاون والتنسيق ولإقامة تبادل ثقافي وحضاري واقتصادي مع الدول الأخرى ولعل المصالح الاقتصادية هي المقياس الأساسي لهذه العلاقات . فالدول التي تقع في موقع جغرافي واحد تكون أقرب من غيرها إلى إقامة علاقات ثنائية لمنفعة الطرفين ومنطقة الشرق الأوسط تعد اليوم بحسب الجغرافيا السياسية هي قلب العالم كما يقول (ماكندر) كونها تحتوي على ثروات هائلة من نفط وغاز ومعادن ثمينة ,فهي بحق منطقة استراتيجية وهي محط أنظار القوى العظمى التي تسعى للسيطرة عليها بالإضافة إلى غنى المنطقة بتنوعها الإثني والقومي لذا ازدهرت العلاقة مع هذه الأمم ومنها إيران وخاصة بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران 1979 على يد الإمام آية الله روح الله الموسوي الخميني وبعد فترة قصيرة من عمر الثورة أخذت العلاقة تتوتر بوتائر سريعة بين العرب والإيرانيين بعد النهج الجديد للثورة الإسلامية هذا النهج الذي يقوم أساسا على فكرة تصدير الثورة الإسلامية إلى المنطقة العربية لأسباب اقتصادية وطائفية وكان هذا النهج الجديد للثورة يقوم على شقين الأول عسكري والثاني سياسي وأخذت إيران تشكل محاور جديدة وتستقبل شخصيات شيعية من أمثال : حسن نصرالله وحسين بدرالدين الحوثي مؤسس الجماعة الحوثية في اليمن والغالبية العظمى من الزعامات الشيعية في العراق المعروفة بولائها الطائفي لولاية الفقيه في إيران . ثم اشتعلت أوار الحرب الإيرانية العراقية
بتأليب من الولايات المتحدة الأمريكية سيما أنها فقدت حليفها الرئيسي شرطي الخليج (السلوقي محمد رضا بهلوي ) مخلب الغرب وأمريكا في المنطقة دون منازع واستمرت الحرب لسنوات عديدة (1980_1991) وأخيرا إسقاط النظام في العراق عام (2003)من قبل جيوش الولايات المتحدة
وبذلك تحولت الوظيفة الإيرانية إلى دور خطير كلاعب سياسي في المنطقة والتدخل في شؤون الدول العربية كتدخلها السافر في العراق من خلال أجنداتها الطائفية وبمساعدتها وتعاضد من قواتها استطاعت الطائفة الشيعية في العراق باستلام كل مفاصل الحكم في دولة العراق من خلال أحزاب طائفية شيعية تتصدر المشهد السياسي والحكم في العراق وامتد النفوذ الإيراني الطائفي إلى دول عربية اخرى غير العراق (سوريا , لبنان, اليمن ) والتدخل في الشؤون العربية السعودية وبذلك أصبحت إيران لاعبا أساسيا في المنطقة العربية بسبب ترابطها الوثيق بالطائفة الشيعية في بعض الدول العربية .
وبالمقابل وقفت السعودية بكل قوة وصلابة وبدعم غربي أمريكي في مواجهة الخطر الفارسي الذي يهدد أمن المنطقة وبسائر الوسائل السياسية والعسكرية حتى استخدمت سياسة الحرب بالوكالة لوقف المد الإيراني في الخليج البحرين واليمن خاصة لتحجيم هذا النفوذ الفارسي . ففي اليمن مثلا حاول حزب المؤتمر الشعبي بقيادة علي عبدالله صالح أن يشكل تحالفا مع الحوثيين (جماعة حسين بدرالدين الحوثي) للعودة إلى السلطة ثانية بعد أن تنازل عنها في السعودية بعدما أصيب في المسجد الملحق بالقصر الجمهوري بحروق بليغة .. وهكذا استمرت الحرب تستعر بين صالح والحوثي من طرف والشرعية (عبد ربه منصور هادي)من طرف ووقفت إيران بكل ثقلها مع الحوثيين للإطاحة بالشرعية وإيجاد موطئ قدم لها في الخليج من خلال دعمها للانقلابين بسفن محملة بالصواريخ ومضادات الطيران وأجهزة رؤية ليلية وبذلك ومن خلال هذا الدعم الكبير سيطر الانقلابيون على 70% من عديد الجيش والحرس بقيادة أحمد علي عبدالله صالح الذي ينحدر من عشيرة حاشد المعروفة ومن الطائفة الزيدية وهي إحدى فرق الشيعة والتي لا خلاف لها مع أهل الجماعة السنة
وهكذا باتت أرض اليمن ساحة حرب واضحة بين حلفين الحلف الإيراني والحلف السعودي المدعوم عربيا 
وفي 4 كانون الأول 2017 تم اغتيال صالح كونه انقلب على الحوثيين وبعد أيام ثلاثة فقط من الانقلاب وكان هذا بمثابة (القشة التي قصمت ظهر البعير
وهذا الاغتيال السريع جاء دليلا دامغا على قوة إيران الفعالة في المنطقة العربية برمتها ووصف عبدالملك ابن المقتول حسين بدرالدين الحوثي عام (2004) قائلا عن مقتل صالح : بأنها عملية تاريخية تثلج الصدور
وختاما إن إيران دولة جارة يجب التعامل معها على أساس تبادل ثقافي وحضاري لا على أساس طائفي ومذهبي ضيق وعلى إيران أن تعي أن الثورات ليست وصفة جاهزة تعطى لكل مريض .. فهي بحاجة إلى تشخيص وكشف ومعاينة الواقع لا أن تصدر ثورتها التي نجحت بالنفاذ بامتياز كبير إلى العمق الاستراتيجي للعرب.. فالصراع هو صراع اقتصادي صراع على السلطة ومناطق النفوذ الجديدة 
وما اغتيال صالح إلا حالة فردية في بلاد اليمن السعيد كثرت فيها الاغتيالات الفردية بدءا من اغتيال الرئيس محمد إبراهيم الحمدي إلى الرئيس أحمد حسين الغشمي إلى الرئيس صالح نتيجة النزاعات السياسية القبلية والطائفية وحل ذلك داخليا يكمن في نظام ديمقراطي عادل وإقليميا في إقامة علاقات تقوم على الود والتعايش السلمي بين دول الجوار مهما كان الانتماء الديني والقومي

 

علي سلامة