في 30 أيلول من العام 2015م، بدأت القوات الجوية الروسية بشكل فاعل ومباشر بقصف مواقع المعارضة السورية المسلحة، بعد أن تنبهت إلى خطورة الوضع العسكري في سوريا وإمكانية سيطرة فصائل المعارضة السورية المدعومة سعودياً وقطرياً وتركياً، على مواقع استراتيجية في دمشق العاصمة وفي الريف الشمالي من اللاذقية على الساحل السوري، مما كان سيؤدي إلى هزيمة قوات النظام السوري وبالتالي السيطرة الفعلية لهذه الفصائل المعارضة ذات الجذر والمنشأ الإخواني على غالبية مساحة سوريا، وبالتالي سقوط حليف روسيا الأخير في منطقة البحر المتوسط مما كان سيضر كثيراً بالمصالح الروسية في منطقة الشرق الأوسط

خلال عامين من إعلان وزارة الدفاع الروسية عن تلقيها التعليمات من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ببدء عملياتها العسكرية في سوريا بناء على طلب من الرئيس السوري بشار الأسد، استطاعت التأثير بشكل فاعل على المعادلة وموازين القوى على الأرض السورية، كما صرح مِنْ قبل وزير الخارجية الروسي لافروف “إن العاصمة دمشق كانت ستسقط خلال أسبوعين أو ثلاثة في يد الإرهابيين لولا هذا التدخل” أي أن هذا التدخل قد حول النظام السوري المهزوم إلى وضعٍ يسيطر فيه على ما يقارب 56% من الجغرافيا السورية، عملت روسيا منذ البداية على جبهتين لحماية مصالحها في المياه الدافئة والحفاظ على حليفها السوري في منطقة الشرق الأوسط؛ الجبهة الأولى تمثلت في الإسناد الجوي والدعم العسكري المباشر لقوات النظام السوري، بالإضافة إلى إشراف الضباط الروس على العمليات العسكرية لجيش النظام السوري؛ الجبهة الثانية التي عملت عليها روسيا، كانت الجبهة الدبلوماسية والسياسية؛ حيث استطاعت روسيا بحضورها الفاعل في الأزمة السورية تحييد العديد من الدول الإقليمية الداعمة للمعارضة السورية المسلحة (تركيا، السعودية) وذلك من خلال المباحثات والعلاقات التي كانت تعقدها مع هذه الدول

السعودية التي كانت من أكبر الداعمين للمعارضة السورية المسلحة بهدف إسقاط النظام السوري الموالي لطهران ومواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، تحولت فيما بعد إلى دولة ساعية إلى حل الأزمة السورية بالطرق السلمية وعن طريق المفاوضات، محتفظة فقط بإصرارها على رحيل بشار الأسد؛ كان ذلك نتيجة لقدرة روسيا على إقناع السعودية بأن اتساع رقعة سيطرة الفصائل الإسلامية المتشددة ذات الطابع الإخواني في المنطقة، من شأنها أن تقوي الحركة الإخوانية التي سرعان ما ستنتشر وتشكل خطراً بالغاً على السعودية في عقر دارها

تركيا من جانبها كانت تخطط لإعادة أمجاد الدولة العثمانية من خلال احتضان المعارضة السورية المسلحة والسياسية ودعمها وبالتالي تسخيرها لخدمة أجنداتها الهادفة إلى السيطرة على دمشق وربطها بأنقرة خلافاً لما هي عليه من ارتباط بطهران، وإعاقة المشروع الديمقراطي المتنامي في روج آفا- شمال سوريا، فتركيا كانت تراهن بقوة على المعارضة المسلحة والسياسية على الإسقاط المبكر لنظام الأسد في دمشق، وكانت تراهن أيضاً على علاقاتها الجيدة مع بعض القوى الكردية المتعاونة معها، من أجل إجهاض أي مشروع ديمقراطي في شمال سوريا يكون للكرد الدور الريادي فيه، ولكن فشل تركيا في تحقيق هذه الأهداف على مدار سبعِ سنوات أثرت سلباً على السياسة الداخلية والخارجية للدولة التركية، تركيا اليوم تعج بأعضاء جميع الفصائل ذات الجذر الجهادي التي قاتلت في سوريا وهم يشكلون خطراً كامناً وقنبلة موقوتة من الممكن أن تتفجر في أية لحظة، إلى جانب أنهم بأفكارهم المريضة يشكلون خطراً اجتماعياً بحد ذاته؛ من جهة أخرى ونظراً لتعارض المشروع التركي المتمثل بإعادة أمجاد السلطنة العثمانية مع مشروع الشرق الأوسط الجديد “الكبير”، حدثت خلافات ما بين تركيا وأمريكا من جهة وتركيا والدول الأوربية من جهة أخرى، كانت نتيجة هذه الخلافات فتور العلاقات ما بين تركيا وكل من الولايات المتحدة والدول الأوربية بشكل عام، طغى عليها صيغ تهديد تركيا بالطرد من حلف الناتو ورفض انضمامها إلى الاتحاد الأوربي؛ وفي هذه الظروف بالذات استغلت روسيا العزلة التي تعانيها تركيا إلى جانب استثمار صمتها على حادثة اسقاط تركيا للمقاتلة الروسية وأيضاً حادثة قتل السفير الروسي في أنقرة، واستطاعت أن تكسب تركيا إلى صفها في الأزمة السورية وتقنعها بأن إطالة أمد الحرب في سوريا ليست في صالح تركيا، في ظل تعافي النظام السوري واندثار المعارضة السورية سياسياً وعسكرياً، ويجب العمل على حل الأزمة السورية بالطرق الدبلوماسية لما تقتضيه المصالح الروسية ومراعاة المخاوف التركية من الشمال السوري أو من القضية الكردية، وأن تركيا تستطيع التنسيق مع الحكومة السورية والدول الإقليمية مثل إيران لأجل مواجهة هذا الخطر

وبالعودة إلى روسيا سوف نرى بأنها لا زالت تسعى للنهوض كدولة عظمى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وتستند في نهوضها هذا على الناحية الاقتصادية أكثر من النواحي السياسية والعسكرية، بل ترى بأن جميع خططها السياسية والعسكرية يجب أن تصب في خدمة الاقتصاد، ولا يخفى على أحد بأن الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية تفرض عقوبات اقتصادية كبيرة على روسيا، على خلفية استيلاء روسيا بصورة غير شرعية على شبه جزيرة القرم وبالتالي التدخل في أوكرانيا، ولذلك فهي حريصة جداً على إيقاف النزيف الاقتصادي جراء الأزمة السورية بأسرع وقت ممكن، أي أنها بعد عامين من التدخل العسكري في سوريا والقصف المستمر الذي ساهم في استعادة قوة النظام السوري والسيطرة على مناطق واسعة من الجغرافيا السورية، تريد تتويجها بحل سياسي برعايتها هي، لتحافظ بذلك على موطئ قدمها ومصالحها في البحر المتوسط وبالتالي الحصول على امتيازات وعقود استثمار في سوريا في مرحلة إعادة البناء، إلى جانب أن هناك أسباب عدة دفعت روسيا إلى التخفيف من عملياتها العسكرية والتركيز أكثر على العملية السياسية، نذكر منها

خوفهم من الغرق في مستنقع الصراع السوري المفتوح على احتمال تدخلات خارجية تزيد تورط موسكو في حروب خارجية

هذه التدخلات قد تستنزفهم مع مرور الوقت  و بالتالي يجهض ما حققته قواتهم عسكرياً

خوفهم من تعاظم الوجود العسكري الإيراني في سوريا  و خروج أمور التحكم بخيوط المشكلة السورية من أيديهم

خوفهم من تعاظم قوة حزب الله على الحدود مع إسرائيل في الجولان الذي يهدد وجودها مما يؤدي إلى خلاف روسي إسرائيلي قد يطيح بمكاسب بوتين الداخلية في روسيا

ممانعة الدول الغربية و العربية من المشاركة في إعادة إعمار في سوريا في ظل ظروف عدم الحل و عدم الاستقرار السياسي في سوريا و التي طالبت واشنطن صراحة بالحل الدائم مقابل المشاركة في الأعمار

اقتراب موعد الانتخابات الروسية و محاولة فرض الحل السياسي في سوريا لاستثماره في الانتخابات الرئاسية لبقاء بوتين رئيساً و ما تصريح بوتين في قاعدة حميميم الروسية على أرض سوريا بسحب بعض قواته من سوريا إلا لطمأنة مزاج المواطن الروسي الذي يرفض الدخول في خلافات الآخرين و حروبها خوفاً من سيناريو أفغانستان سابقاً و أيضا للرد على التصريح الأمريكي الذي قال بأن أمريكا باقية في سوريا حتى إيجاد حل سياسي مستدام بعيداً عن الطاقم الحاكم في سوريا و إيصال الرسالة إلى أمريكا بأن روسيا لها مصالحها في الشرق الأوسط عبر قواعدها في سوريا والمعترفة بها سورياً و تأثير الدور الروسي في المنطقة و ما زيارته إلى أنقرة و القاهرة دليل على هدف بوتين في المنطقة 

أما أيران و بالرغم من دورها العسكري والسياسي القوي في سوريا، فهي تتعرض لضغوط أمريكية بتعاون خليجي في كلٍ منْ العراق و سوريا، ولهذا تسعى إيران دوماً إلى تحسين علاقاتها مع روسيا في مواجهة التهديد الأمريكي، خاصة بعد القضاء عسكرياً على داعش في سوريا و العراق، وتوجيه البوصلة الأمريكية إلى إيران بأنها الهدف الثاني بعد داعش بالنسبة لأمريكا و القوى المتحالفة معها في منطقة الخليج ومصر وإسرائيل، حيث سعت الولايات المتحدة إلى تحقيق الهدف الاستراتيجي لأمريكا  بتغيير البوصلة العدائية العربية لإسرائيل باتجاه إيران والتنبيه إلى المد الشيعي وما يمثله من الخطر الكبير على الشرق الأوسط وإسرائيل عبر دعمها للإرهاب وزرعها مسببات عدم الاستقرار في المنطقة، ولذلك يبدو أن إيران تدرك ما يجري في أستانا و سوتشي من قبل الراعي الروسي الذي اتفق في فيتنام مع الأمريكيين للحل السياسي في سوريا من خلال تدوير الزوايا لصالح الحل السياسي الذي سيكون بداية لكثير من الحلول في المنطقة و المناطق الخلافية بين أمريكا و روسيا 

إن تباين وجهات النظر بين روسيا و إيران حول الأزمة السورية، يعتبر أيضاً أحد الأسباب التي دفعت روسيا إلى العملية السياسية وإنهاء حملتها العسكرية في سوريا، إذ أن إيران صاحبة مشروع توسعي في المنطقة وتتمتع بفسحة كبيرة من الضغط على النظام السوري، لِسَوْقِهِ نحو الاستمرار في الحرب السورية بهدف السيطرة على كامل الأراضي السورية