يعيش إقليم كردستان بعد استفتاء الاستقلال عن العراق في الخامس والعشرين من شهر أيلول الماضي أزمة خانقة على الصعيد السياسي والعسكري والاقتصادي، حيث خسرت كردستان عسكرياً جميع المناطق المتنازع عليها والتي تم تحريرها من داعش بالدم وذلك خلال يوم واحد فقط من تهديد الحكومة العراقية للإقليم، ومنذ ذلك الحين أصبحت الحكومة العراقية ترفع من وتيرة تصريحاتها ضد الإقليم حيث صرح رئيس الحكومة حيدر العبادي بأنه قد تم استرجاع كافة المناطق المتنازع عليها كما لو أنه هو الذي استرجعها من داعش، ومنذ ذلك الحين يعيش الإقليم وضعاً عسكرياً مزرياً متمثلاً في تهديد الحكومة العراقية وميليشيات الحشد الشعبي له وحتى بالدخول إلى أربيل، ولعل آخر تهديداتهم تمثلت في الأزمة التي ظهرت حول منطقة مخمور ومازال التوتر قائماً إلى اليوم بين قوات البيشمركة من جهة وميليشيات الحشد الشعبي من جهة أخرى

     أما على الصعيد الاقتصادي فإن الإقليم يعاني من أزمة اقتصادية حادة خاصة بعد إغلاق المعابر التي كانت تربطه مع كل من تركيا وإيران، وانعكس ذلك على الوضع المعيشي للمواطنين البسطاء، وعلى الصعيد السياسي فقد عمدت الحكومة العراقية إلى شلّ حركة السياسيين وذلك من خلال إغلاقها باب الحوار مع حكومة الإقليم رغم التدخلات الإقليمية والدولية، وباتت تسيطر على مفاصل السياسة في كردستان، حيث تم إغلاق كافة المطارات التي كانت تربط الإقليم مع العالم، ولعل خير دليل على ذلك الزيارة التي قام بها رئيس حكومة الإقليم نيجيرفان برزاني إلى أوروبا وكانت عبر تركيا، وهذا دليل واضح على أزمة الإقليم، وقد حاولت حكومة الإقليم منذ السادس عشر من أكتوبر أن تفتح حواراً مع الحكومة ولكن لم تجد آذاناً صاغية كون من يفقد الأرض لا يستطيع أن يفاوض بقوة مع أي طرف كان

     وإن كل هذه النتائج السلبية بسبب فشل حكومة الإقليم اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً انعكست آثارها على الشعب الكردي الذي انتفض في وجه هذه الحكومة متهماً إياها بالفساد وعدم المشروعية، وذلك كون هذه الحكومة قد انتهت مدة ولايتها منذ سنتين وتم التمديد لها بسبب الظروف الأمنية والاقتصادية وتهديدات داعش له، وانعكس ذلك على شكل احتجاجات سلمية في منطقة السليمانية، واللافت في الأمر كانت تلك المشاركة الكبيرة للجماهير في تنظيم هذه الاحتجاجات رغم وجود بعض الخروقات التي تمثلت في إحراق عدد من المحال العائدة للمواطنين المدنيين، ولعل أهم ما تميزت به هذه الاحتجاجات هي نقمة المواطنين على الكتل السياسية التي تدير الإقليم وذلك من خلال إحراق مقرات تابعة للأحزاب السياسية جميعها في مدينة السليمانية، وقد أدركت حركة التغيير والجماعة الإسلامية أن هذه الاحتجاجات قد تدوم لذلك عمدتا إلى سحب وزرائها من الحكومة وبرلمانييها من البرلمان، واستقالة رئيس البرلمان الكردستاني يوسف محمد وهو من حركة التغيير وذلك كبادرة منها في تأييد هذه الاحتجاجات

     وإن امتداد هذه الاحتجاجات إلى مناطق أخرى غير السليمانية إنما يشير إلى أن الشعب الكردي كان على فوهة بركان، وكان ينتظر الشرارة كي ينتفض ضد الطغمة السياسية التي حكمت الإقليم منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي، وبالعودة قليلاً إلى الواقع السياسي في الإقليم نجد أن هذه الانتفاضة الشعبية كانت نتيجة متوقعة لسياسات الأحزاب الحاكمة التي تغولت في السلطة من خلال سيطرتها على كافة مفاصل الحكومة وتقسيمها مناصفة فيما بينها، حيث كانت توجد في الإقليم حكومتان وإدارتان منفصلتان عن بعضهما البعض يدير كل منها مناطق نفوذها وفق المنظور الحزبي الضيق بعيداً عن الشعارات الرنانة التي كانت ترفعها هذه الأحزاب، وعلى سبيل المثال الأزمة الاقتصادية التي يعانيها الإقليم رغم أن هذه الحكومة كانت تصدر النفط منذ عدة سنوات عبر تركيا وتحصل على وارداته بملايين الدولارات التي لا يعلم أحد الى أين تذهب هذه الاموال، فلو انفقت حكومة الإقليم هذه الأموال على الشعب لكان شعب كردستان سيعيش في رخاء كبير كسكان او مواطني بعض الدول المتقدمة، ولكن نجد على العكس أن رواتب المعلمين مثلاً لم تصرف منذ أربع سنوات حيث كانت هذه الحكومة تتحجج بأن الحكومة المركزية لم تصرف لها مستحقات الإقليم المالية منذ عدة سنوات، مما شكل دافعاً لدى شريحة واسعة من المثقفين الكرد في الإقليم الذين صرحوا نهاراً جهاراً بعدم مشروعية هذه الحكومة

     ومما زاد الطين بلةً هي الانتكاسة العسكرية التي مُنيت بها قوات البيشمركة أمام الجيش العراقي والحشد الشعبي رغم تصريحات مسؤولي هذه الأحزاب وتعهداتهم بالدفاع عن كل شبر من كردستان، حيث كان رئيس الإقليم يصرح بأن ما أخذ بالدم لن يسترد إلا بالدم، ولعل هذه التصريحات كانت بمثابة متنفس للشعب لبناء آماله عليها، والأنكى من كل ذلك كان مواجهة حكومة الإقليم لهذه الاحتجاجات بالقوة المفرطة مما أدى إلى استشهاد عدد من الأفراد في التظاهرات السلمية، وبدلاً من استجابة الحكومة لمطالب الشعب نجد تصريحات تصدر من أبواق الحكومة تتهم فيها المتظاهرين بالتآمر على شعب كردستان، حيث وصف عبد السلام برواري العضو البارز في الحزب الديمقراطي الكردستاني في مقابلة مع إحدى القنوات التلفزيونية المتظاهرين السلميين بالغوغائيين وهذا ما يذكرنا بوصف الرئيس السوري بشار الأسد للمتظاهرين في انتفاضة قامشلو في عام 2004 بأنهم غوغائيون، كما أضاف برواري أن هذه المظاهرات يقف وراءها كل من الحكومة العراقية وإيران وحزب العمال الكردستاني لنسف ما تبقى من إقليم كردستان، وإن دلت هذه المقولة على شيء فإنها تبرهن على نفس عقلية أي نظام ديكتاتوري، وقد استغلت الحكومة العراقية بدورها الخلاف الموجود بين الأحزاب السياسية الكردية مما دفع برئيس الحكومة حيدر العبادي للتصريح بأن الحكومة المركزية سوف تتدخل في حال تعرض مواطني الإقليم للاعتداء، وذلك رغم معرفة العبادي سلفاً بأن تصريحاته هذه تخالف الدستور

     ونعتقد بأن هذه التظاهرات السلمية سوف تستمر حتى ولو تم مواجهتها بالقمع كون المشكلة متجذرة في إقليم كردستان العراق متمثلة في الطبقة السياسية الحاكمة والتي ترفض الخروج من العباءة التي صممت لها منذ التسعينات وتعمل على اقتسام السلطة بدلاً من التوجه إلى الشعب لاختيار ممثليهم بشكل ديمقراطي، حيث أثبتت السنوات الأخيرة عجز هذه الطبقة السياسية الحاكمة من إدارة شؤون الإقليم، ولعل أهم مخرجاتها كان الاقتتال بين الحزبين الرئيسين ووقوع آلاف الشهداء نتيجة هذه السياسة الفاشلة، إضافة إلى كونها لم تقرأ الواقع السياسي جيداً وقامت بخطوة غير محسوبة كالاستفتاء الذي انعكس آثاره بشكل سلبي على الواقع الكردي ليس في الإقليم فقط وإنما على كافة أجزاء كردستان، وإن إصرار هذه الطبقة السياسية الحاكمة على إعادة إنتاج نفسها عبر انتخابات دعت إليها الحكومة خلال الأشهر الثلاثة القادمة إنما سيعقد المشكلة بدلاً من حلها، ومن هنا نجد أنه يجب على هذه الأحزاب أن تقوم بمراجعة كافة سياساتها في الإقليم والمنطقة وأن تعود إلى الحضن الكردي وأن تضع مصالح الشعب الكردي نصب عينيها وأن تعمل لأجلها وأن تحافظ على مكتسبات الشعب الكردي في الإقليم كون هذه المكتسبات قد جاءت نتيجة لدماء الشهداء ويجب أن يكونوا أوفياء لذلك وألا ينخرطوا في المؤامرات والدسائس التي تحاك ضد الإقليم والكرد عموماً من قبل دول إقليمية تسعى بكل جهدها إلى إفشال أي مشروع كردي في أي مكان، عندها سوف يلتف الشعب حول القيادة وسوف تُصان كرامة الإقليم وهذه الأحزاب

      فرع الحسكة – قسم التحليل