منذ بداية الأزمة السورية راهنت العديد من القوى على الكرد في الشمال السوري لإسقاط نظام بشار الأسد، وذلك انطلاقاً من معاناة الكرد القومية والثقافية والسياسية على مر التاريخ السوري المعاصر. ولكن خلافاً لما سبق من المراهنات الإقليمية على الكرد (سواء المراهنات الخليجية منها أو التركية)، فقد اختار الكرد طريق الثورة السورية بما يتوافق فعلاُ ومصلحة سوريا بكافة شعوبها، في الوقت الذي انحرفت فيه ثورة 15 آذار 2011م عن مسارها وتحولت إلى أزمة سورية خانقة، تسعى من خلالها القوى الإقليمية والدولية تصفية حساباتها وتجسيد مصالحها في سوريا 
إن الرؤية الكردية للأزمة السورية كانت صائبة منذ البداية واستطاعت من خلال التحليل الواقعي والصحيح للمشهد السوري، النأي بالنفس عن الأجندات الإقليمية والدولية واختارت طريق الثورة بصبغتها الخاصة، والتي تتخذ من الدفاع المشروع والبناء المؤسساتي وإخوة الشعوب أساساً لها. والآن بعد سبع سنوات من عمر الأزمة السورية يتضح تماماً مدى صوابية الرؤية الكردية، حيث لعب الكرد دوراً فاعلاً ومحورياً في الدفاع عن مناطق شمال سوريا وحمايتها ضد هجمات الفصائل الإسلامية المتشددة مثل ” جبهة النصرة- أحرار الشام”، ومقارعة تنظيم داعش الإرهابي بِدْءاً من معارك تل كوجر وتل حميس في إقليم الجزيرة، مروراً بالمقاومة الملحمية في كوباني والتي شكلت نقطة انعطاف هامة لبدء انحسار التنظيم الإرهابي، وصولاً إلى دك عاصمتهم المزعومة الرقة
وبالتوازي مع العمل العسكري بتحرير مناطق الشمال السوري وحمايتها، كان العمل يسير على قدم وساق في المجال الإداري والسياسي من خلال مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية، والذي ينص على إشراك كافة مكونات الشمال السوري في إدارة مناطقهم والدعوة إلى العيش المشترك وأخوة الشعوب، هذا المشروع الذي سرعان ما تبلور بعد أربع سنوات من عمر الإدارة الذاتية إلى مشروع الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا، كمقدمة لفيدرالية سوريا الديمقراطية وتقديمها كنموذج لحل الأزمة السورية
فالأزمة السورية التي تحولت إلى ساحة حرب ساخنة، أنتجت معها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) الذي تشكل من مبايعة العناصر المنشقة من جبهة النصرة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق؛ هذا التنظيم الذي سرعان ما استطاع هزيمة الجيشين العراقي والسوري في معارك عدةـ ليصطدم فيما بعد بصخرة كوباني التي أدت إلى تصدعه وهزيمته. فمقاومة كوباني بحد ذاتها تعتبر نقطة انعطاف كبيرة بالنسبة لتنظيم داعش الإرهابي، كما تعتبر كذلك بالنسبة للأزمة السورية، فقد تنبه الغرب والقوى الدولية إلى خطورة الوضع في سوريا وتصاعد الجماعات الإسلامية المتطرفة التي سرعان ما سوف تهدد أمن بلادهم، ولذلك تشكل التحالف الدولي لمحاربة داعش بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وقاموا بالتنسيق مع وحدات حماية الشعب(YPG) في كوباني ومن بعدها مع قوات سوريا الديمقراطية إلى حين تحرير مدينة الرقة “العاصمة المزعومة” لتنظيم داعش الإرهابي، حيث استطاعت قوات سوريا الديمقراطية السيطرة على 27% من الجغرافيا السورية، إلى جانب السيطرة على ما يقارب 70% من الثروات الباطنية (النفط والغاز) والأراضي الزراعية
يجدر بنا الإشارة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية منذ بداية الأزمة السورية، كانت تدعم المعارضة السورية المسلحة ضمن برنامج وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) لتسليح المعارضة ولكن دون أي جدوى، فقد استطاع النظام السوري الصمود وتحقيق الانتصارات العسكرية والسياسية عليهم في ظل التواجد القوي لروسيا وإيران على الساحتين السياسية والعسكرية. تلك المعارضة التي طالما تنوعت أجنداتها والقوى الداعمة لها ما بين قطر والسعودية وعلى رأسها الدولة التركية، ولم تستطع تحقيق أي تقدم على الأرض بل كان التراجع والإخفاق ملازماً لها لأسباب عدة، من أبرزها غلبة صفة التشدد الإسلامي عليها واختلاف مرجعياتهم وداعميهم، بالإضافة إلى الدعم الإيراني اللامحدود لنظام بشار الأسد
تركيا من جهتها كانت تبين طموحاتها العثمانية على ركيزتين: الركيزة الأولى، إسقاط نظام بشار الأسد الموالي لطهران الصفوية، بهدف إنشاء حكومة جديدة ونظام جديد في دمشق موالي لأنقرة العثمانية؛ والركيزة الثانية، ضرب مكتسبات الكرد في الشمال السوري من خلال دعم جميع الفصائل المسلحة وتوجيهها لمحاربة وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب احتضانها لضالتها من المعارضة الكردية وتهيئتها لتحل بديلاً عن الكرد من أصحاب المشروع الديمقراطي، وبذلك تضمن منع أي تمدد للفكر الديمقراطي إلى شمال كردستان- جنوب شرق تركيا, كانت هذه السياسة الخارجية التركية على مر السنوات السبع من عمر الأزمة السورية، ولكن لا النظام السوري الموالي لإيران تم إسقاطه، ولا المشروع الديمقراطي في شمال سوريا تم إيقافه, على العكس تماماً من ذلك فالنظام السوري على وشك أن يعلن انتصاره على الإرهاب في سوريا، والمشروع الديمقراطي سرعان ما تبلور إلى مشروع فيدرالي ونموذج للحل في سوريا ويشكل اليوم بعداً سياسياً وجغرافياً وعسكرياً هاماً في المعادلة السورية, إذاً فالخاسر من هذه المعادلة تكون المعارضة السورية المسلحة بمختلف أجنداتها، إلى جانب داعميها من الدول الخليجية والدولة التركية 
إن الدولة التركية لا ترضى الهزيمة بسهولة وخاصة عندما يتعلق الأمر بالقضية الكردية، فهي مستعدة لتقديم كافة التنازلات فقط في سبيل عدم إثارة القضية الكردية وضرب مكتسباتها وطمس ملامحها, فعلى الرغم من العِداء الممتد لبدايات القرن العشرين متمثلاً باحتلال تركيا لـ(لواء اسكندرون) وصولاً لمشاكل تتعلق بمياه نهر الفرات، ولكن عندما تعلق الأمر بالقضية الكردية وبالأخص بحزب العمال الكردستاني وقائده “المفكر عبدالله أوجلان”، أقدمت تركيا إلى عقد اتفاقية تعاون أمني مشترك مع النظام السوري، والآن نشهد السيناريو عينه بعد عداءٍ تركي للنظام السوري على مدار الأزمة السورية ومحاولات إسقاطه، من خلال تقديم الدعم اللامحدود للفصائل الإسلامية المتشددة والفصائل ذات الجذر الإخواني، إلا أن رئيس الجمهورية التركي رجب طيب اردوغان يطل علينا مؤخراً من خلال التصريح بأنه لا يرى أية مشكلة في بقاء النظام السوري، وبالطبع هذا مقابل التعاون الإقليمي معها لمواجهة المشروع الفيدرالي في شمال سوريا، ذلك بتفعيل اتفاقية أضنة 1998م للتعاون الأمني المشترك ما بين الدولة التركية والنظام السوري
روسيا لديها حضور فاعل في سوريا كما في الشرق الأوسط بشكل عام، بهدف النهوض وتشكيل تحالف جديد من خلال عقد اتفاقيات عسكرية واقتصادية مع إيران والصين وكوريا الشمالية والجزائر، والسعي الحثيث لكسب تركيا إلى صفها من خلال التقرب الإيجابي من تركيا، وإشراكها في محاولات حل الأزمة السورية كطرف مهم في محادثات آستانا وسوتشي، إلى جانب محاولة زيادة الهوة بينها وبين حلف الناتو من خلال عقد صفقة بيع منظومة صواريخ S400 الروسية لتركيا. كما أن روسيا تدخلت بقوة في الأزمة السورية إلى جانب النظام السوري وأنقذته من السقوط في الأسابيع الأخيرة، فهي تسعى إلى الحفاظ على نفوذها وثقلها على ساحل البحر المتوسط بالإضافة إلى منع أي مشروع غاز بديل عن الغاز الروسي، واستطاعت روسيا تحقيق إنجازات عسكرية لها وللنظام السوري على حساب المعارضة المسلحة، واتْبَعَتها بعقد علاقات مع أقوى الدول الإقليمية لتحقيق انتصارات سياسية من خلال عقد اتفاقات استانا بين روسيا وتركيا وإيران كدول ضامنة، والدعوة إلى عقد مؤتمر حوار وطني بحضور كافة شرائح المجتمع السوري 
إن روسيا لم ولا تكتفي بتحقيق الانتصار العسكري في سوريا، ومن أولوياتها التوصل في الأزمة السورية إلى صيغة سياسية تضمن قوة وجودها على ساحل البحر المتوسط إضافة إلى المصالح الاقتصادية والاستثمارات، التي تسعى روسيا جاهدة للحصول عليها في مرحلة إعادة الإعمار في سوريا، وعندما نتحدث عن المصالح الاقتصادية الروسية في سوريا واحتواء المناطق الكردية في شمال سوريا، والتي هي الآن تحت إدارة الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا على 70% من الثروات الباطنية والمحاصيل الزراعية، فإذاً يكون من عظيم الأهمية سعي روسيا جاهدة للاستفادة من هذه الثروات، لذلك نرى بأن روسيا تريد إنهاء الصراع في سوريا بأي شكل من الأشكال، وتحاول في نفس الوقت كسب الطرف الكردي في استراتيجيتها الجديدة من خلال تواجدها في عفرين عسكرياً، ودعوة أطراف كردية إلى مؤتمر سوتشي، يقول المستشرق الروسي ميخائيل لازارييف (إن تجاهل القضية الكردية وتحجيم الكردلوجيا في روسيا لا تخدم مصالح روسيا العليا، وهي قضية محورية في منطقة الشرق الأوسط ولن تشهد هذه المنطقة الساخنة الاستقرار المنشود من دون حل عادل للقضية الكردية ) ويشير لازارييف إن حل القضية الكردية على أساس منح الشعب الكردي بأسره حقه الطبيعي والقانوني والمشروع غير القابل للتصرف، والمعترف به من قبل المجتمع الدولي في تقرير المصير وصولاً إلى تأسيس دولته المستقلة, حيث يؤكد أن هذا الحل يسمح بمعالجة التوتر الدائم و القائم في منطقة الشرق الأوسط وذلك بإزالة أحد أسبابه الرئيسية، وبالتالي إزالة أحد مصادر التهديد الدائم لروسيا وعلاوة على ذلك فإن الاستقلال الكردي إذا لم يصبح بعد فأنه يجب أن يصبح هدفاً ذا أولوية في سياسة روسيا الشرق أوسطية، لأن هذا الاستقلال يصب في مصلحة روسيا الجيوسياسية. هذا التقرب الروسي من الكرد في شمال سوريا ينبع من الرغبة الروسية الجامحة، في الحصول على أكبر حصة اقتصادية ممكنة من العقود والاستثمارات في سوريا ومناطق الشمال السوري في مرحلة إعادة الإعمار. كما أن روسيا تتقرب بحساسية بالغة من الملف الكردي مراعاة للموقف التركي، وتسعى جاهدة لإقناع الدولة التركية بأن روسيا تضمن لتركيا عدم تشكل أي كيان يهدد أمنها، وبذلك تأمن وتكسب الجانبين
الولايات المتحدة الأمريكية على وجه التحديد لديها مشروع شرق أوسطي لن تفرط به، مع تصاعد خطورة الجماعات الإسلامية المتشددة في العقد الأخير، إلى جانب اتساع التهديد الإيراني الفارسي يجعل من الحضور الفاعل لأمريكا ضرورة للحفاظ على مصالحها ونفوذها, كما أن العلاقات التركية- الأمريكية ليست كما السابق ولا يمكن لأمريكيا أن تعتمد على تركيا في سياساتها المستقبلية، ولذلك تتوجه الولايات المتحدة في هذه المرحلة إلى انتهاج استراتيجية جديدة تجاه الكرد، حيث تتمحور هذه الاستراتيجية في تقديم الدعم للكرد لمواجهة التنظيمات الإرهابية المتشددة في سوريا والعراق، وكذلك إعاقة المشروع التوسعي الفارسي الإيراني, كانت الولايات المتحدة الأمريكية تصرح بأن وجودها في سوريا هو لأجل محاربة داعش فقط، ولكن هل بالفعل سترحل بعد القضاء على داعش..!؟ عندما نتحدث عن بدء الولايات المتحدة الأمريكية ببناء 10 قواعد عسكرية في الشمال السوري ودخول المئات من شحنات الأسلحة حتى بعد أفول نجم داعش وهزيمته, عندها تكون الإجابة ” لا لن ترحل، بل معركة النفوذ والسيطرة قد بدأت للتو” والولايات المتحدة بأمس الحاجة للكرد في هذه المرحلة