أراء و تحليلات

إيران في ظل العقوبات الأمريكية

زادت طهران في الآونة الأخيرة من تدخلاتها في المنطقة بدءاَ  من العراق وصولاً إلى سوريا واليمن, سعياً منها إلى تحقيق هدفها الاستراتيجي المعلن في المنطقة والمتمثل بالهلال الشيعي والتي سخرت كل إمكاناتها لتطبيقيه مستخدمة  نفوذها في المنطقة من خلال حلفائها وشركائها في المشروع, فاستطاعت السيطرة على أربع عواصم عربية، مثيرةً فيها حالة من الفوضى والانقسامات الداخلية, ومن أسباب تدخلاتها في المنطقة هو حماية برنامجها النووي والبالستي,  فاستطاعت أن تجني ثمرة تدخلاتها في المنطقة بالحصول على الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة الأمريكية في عهد أوباما, واحتفظت بموجبه بالبرنامج النووي مقابل حصولها من الدول الأوروبية على صفقات تجارية واقتصادية, ولكن الأمر أثار حفيظة إسرائيل, والتي لجأت ومن خلال نفوذها القوي في الولايات المتحدة الأمريكية إلى الدفع لإلغاء الاتفاق النووي الذي وقّع عام 2015م دون تحقيق ذلك المراد, إلى أن تسلم ترامب سدة الحكم, حيث أعلن انسحابه من الاتفاق النووي, والذي وصفه بأنه “أسوأ اتفاق, لأنه يضع إيران على طريق الحصول على السلاح النووي”, وقد  أكد ترامب في إحدى كلماته: “من الواضح أننا لن نستطيع منع إيران من تصنيع قنبلة نووية بهذا الاتفاق ذو البنية الضعيفة”.  وبالانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي توترت  علاقاته  مع الاتحاد الأوروبي, فقد أعلنت كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا  من خلال إصدار بيان مشترك التزامهم باستمرار تنفيذ الاتفاق النووي والعمل مع جميع الأطراف الأخرى المعنية فيها, بما يضمن استمرار الفوائد الاقتصادية للجانبين, لتليها التهديدات الأمريكية بفرض عقوبات اقتصادية على كل من يتعامل مع إيران في ظل العقوبات المفروضة, ولتقابلها التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة العالمية, وللتخفيف من حدة هذه العقوبات سعت إيران إلى محاولات التقرب من المحيط الإقليمي و الدولي, كالتقرب من روسيا لإقامة مشاريع اقتصادية معها, ومن ثم التوجه نحو الدولة التركية مستغلة توتر علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع الولايات المتحدة الأمريكية في الآونة الأخيرة. ودخلت العلاقات الأمريكية الإيرانية مرحلة جديدة من التوتر في ظل إعادة الولايات المتحدة الأمريكية لفرض عقوبات اقتصادية صارمة عليها على مرحلتين, والتي أدت بدورها إلى المزيد من التدهور الاقتصادي, وهبوط قيمة الريال الإيراني, وحظر التبادل التجاري بالدولار مع الحكومة الإيرانية وحظر التعاملات التجارية بالمعادن ولاسيما الذهب وحظر شراء الألمنيوم والصلب، وفرض قيود على  صناعة السيارات والسجاد, والتي كانت سبباً لتجديد انتفاضة شعبية ضد الحكومة الإيرانية, ومن ثم محاولة الولايات المتحدة الأمريكية تأجيج هذه الاحتجاجات, حيث دعا نائب الرئيس الأمريكي ماك بنس “الشعب الإيراني إلى مواصلة جهوده من أجل الحرية, ومعلناً وقوف الولايات المتحدة الأمريكية مع مطالبهم”, مما أدى إلى زيادة المطالب الشعبية, التي بدأت بالمطالبة بتحسين مستوى المعيشة للمواطنين, ونتيجة عدم قدرة حكومة طهران تنفيذ المطالب الشعبية، ولجوئها إلى العنف, لترتفع بعدها حدة المطالب إلى المستويات السياسية والمطالبة بإسقاط نظام المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي و حرق صور الخميني.

ونتيجة حالة الفوضى والأزمة الاقتصادية التي تعيشها إيران, بدأت الدول الأوروبية وتحت تأثير العقوبات الأمريكية الصارمة, بسحب مشاريعها و استثماراتها الاقتصادية من إيران, كانسحاب الشركة البريطانية “كويركوس” لاستثمارات الطاقة المتجددة, وإيقاف عملها نتيجة العقوبات الأمريكية, وثم انسحاب شركة “توتال” الفرنسية العملاقة في مجال النفط والغاز, ما لم تحصل على استثناء من الولايات المتحدة الأمريكية للاستمرار بالعمل فيها, ليصل الأمر بفرنسا إلى تحذير دبلوماسييها من السفر إلى إيران خوفاً من عملية احتجازهم كرهائن فيها, كما حدث ذلك في عام 1979م إبان أزمة الرهائن الدبلوماسيين الأمريكيين في إيران, و استياء حكومة طهران من القرار الفرنسي بفرض الحظر على سفر دبلوماسييها إلى إيران, ليطلق بعدها الرئيس الإيراني روحاني تصريحات واتهامات حول عدم  الثقة بالأوروبيين, وتعليق الآمال عليهم في ملفها النووي, حيث أكد المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي جاهزية بلاده للتخلي  والانسحاب من الاتفاق النووي إذا لزم الأمر, إذا لم تحفظ مصالحها القومية والوطنية.

ونتيجة لتردي الأوضاع الداخلية لجأ البرلمان الإيراني إلى المطالبة باستجواب الوزراء ومحاسبتهم، وفي محاولة من المرشد الأعلى للثورة الإيرانية للتضحية بعدد منهم في سبيل تحويل الفشل الحكومي في التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية والأوروبيين في ملف الاتفاق النووي إلى تقصير الأداء الحكومي, وللتغطية على التدخلات الخارجية للسياسة الإيرانية في العراق و سوريا واليمن وتأثيراتها على الاقتصاد الإيراني, بعد قناعة  الإيرانيين بأن حكومتهم  لا تولي اهتمامها للداخل, بل جل اهتمامها هو تنفيذ مخططاتها التوسعية في مشروعها (الهلال الشيعي), بدأ أعضاءٌ في مجلس النواب الإيراني بإجراءاتهم وذلك بعزل وزير الشؤون الاقتصادية والمالية مسعود كرباسيان من منصبه, ووزيري التعليم  والصناعة من منصبهما تحت ضغط من الرئيس الروحاني بتهم الاخفاق الاقتصادي والفساد التعليمي, لتصل بعدها حدة الصراعات في الحكومة الإيرانية إلى طلب البرلمان من الرئيس الروحاني للمثول أمام البرلمان للإجابة على استفسارات النواب حول الملف النووي الإيراني وتداعيات الانسحاب الأمريكي  والأوروبي منها.

ويتضح أن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت بفرض عقوبات قاسية على إيران بشكل أحادي الجانب دون المرور بمجلس الأمن والاتحاد الأوروبي, لذلك ستكون الأطراف المعنية بالأزمة الإيرانية مرغمة على التجاوب مع العقوبات الأمريكية, ومن أجل تقليل تأثير العقوبات فإن إيران مرغمة على بيع نفطها بأسعار زهيدة ورخيصة إلى تجار الأزمات في الداخل أوالخارج, وخاصة بعد انسحاب الشركات الأوروبية, وهكذا فإن العقوبات الأمريكية  ستزيد من المعاناة الداخلية والاقتصادية بشدة, فالاقتصاد الإيراني سيكون أمام تحد صعب في الفترة المقبلة, ستواصل العملة الإيرانية هبوطها وتتكبد خسائر فادحة في السوق الشرائية، وكذلك ستواجه صعوبة في الخدمات الأساسية، وزيادة نسبة البطالة بين الشباب، وبالتالي سيكون النظام الإيراني تحت ضغط  مع  الاستمرار بإعطاء الأولوية لقوته العسكرية ولتغطية التزاماته الخارجية, وعدم قدرته على التنسيق بين ملفه النووي وملف وجوده في المنطقة, ومع عدم قدرته على تحمل ضغوطات العقوبات الأمريكية ستحاول حكومة طهران الظهور بمظهر القابل للرضوخ للأوامر الأمريكية لتعديل الاتفاق النووي, وانسحابها من الدول المتواجدة فيها مثل سوريا و العراق, ولكن بقاءها فيها سيكون على شكل تواجد استخباراتي, فإنها سترضخ للمطالب الأمريكية وسترغم إلى الجلوس على طاولة المفاوضات سواء بشكل مباشر أو غير مباشر, فقد صرحت الإدارة الأمريكية أكثر من مرة أنها لا تسعى إلى تغيير النظام الإيراني وإنما تهدف إلى تغيير سلوكه وإيقاف تمدده في المنطقة, وبالتالي ستلجأ الولايات المتحدة الأمريكية إلى صياغة اتفاق جديد بما يتوافق مع مصالحها واستراتيجيتها الجديدة, دون المساس بنظام حكم الملالي في إيران والذي يقوم بدوره في تنفيذ السياسات الغربية والأمريكية في الشرق الأوسط بما يتوافق مع التسريع في تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد.

image_pdfانشاء المقال بصيغة PDFimage_printطباعة

معلومات عن الكاتب

مركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية

اترك تعليقا