أراء و تحليلات

الصراع الإسرائيلي الإيراني في الساحة السورية

بعد التدخل العسكري الروسي في سوريا لمساندة النظام تم تدريجياً التخفيف من الضغط العسكري على القوات الإيرانية وميليشياتها في سوريا، الأمر الذي جعل إيران تشعر بالراحة لتوجه قوتها العسكرية وأسلحتها لدعم ميليشياتها وحزب الله اللبناني لتهديد إسرائيل من خلال تواجدها على الأراضي السورية، لذا قامت بشكل تدريجي بدعم بنيتها العسكرية وميليشياتها وأماكن تموضعها على الأرض مهددة بذلك الأمن القومي الإسرائيلي من خلال تسيير طائرات بدون طيار فوق أهداف معينة على الأراضي الإسرائيلية وإطلاق الصواريخ أحياناً أخرى، الأمر الذي دفع بإسرائيل إلى شن ضربات عسكرية على مواقع في سوريا موجهة ضد النظام وإيران بين الفينة والأخرى، حيث ترى إسرائيل في التواجد الإيراني في سوريا تهديداً على أمنها القومي، وبات هذا يدخل في صلب أولويات السياسة الإسرائيلية، حيث تعتبر إسرائيل أن التمدد الإيراني في سوريا يشكل تحديات أمنية خطيرة عليها ومن أجل ذلك كثفت إسرائيل من ضرباتها العسكرية على سوريا بغية منع تعاظم القدرات العسكرية الإيرانية والنظام في سوريا بهدف إضعاف إيران في المنطقة، ولكن في الحقيقة تستهدف هذه الضربات محور تحالفات النظام وهذا مفاده أن الضربات العسكرية تستهدف الفاعلية السياسية (الروسية – الإيرانية) كونها متممة لبعضها البعض، بالرغم من وجود فوارق في الاستراتيجية لكلتا الدولتين (روسياـ إيران)، وفي هذا الصدد أيضا تعتبر هذه الضربات رسائل غير مباشرة لتركيا بسبب سياساتها الخارجية التي باتت تعادي المصالح الغربية في المنطقة.

يشكل مغزى التصعيد العسكري الإسرائيلي على سوريا في ضرب السياسة التي تدار رحاها حول تعزيز المصالح (الروسية – الإيرانية – التركية)، في إشارة إسرائيلية بضرورة أخذ مصالح إسرائيل وأمنها القومي بعين الاعتبار، وإن إسرائيل لا ترغب بالمسار السياسي الحالي الذي تسعى (روسيا – تركيا – إيران) إلى تحقيقه في سوريا (بشكل أحادي)، فنجاح هذا المسار مرهون بالتوافق والتفاهم مع إسرائيل، وتبلورت هذه الحقيقة في الجنوب السوري كمنطقة من مناطق خفض التصعيد، فالصياغة الأخيرة التي تم الاتفاق عليها ومن ثم تطبيقها على الأرض بعيدة كلياً عن الأطروحة المقدمة والمتفق عليها في أستانا في شهر أيار 2017 عندما اتفقت هذه الدول على مشروع خفض التصعيد، حيث ترى إسرائيل أن بقاء النظام في سدة الحكم السوري مرهون بمواقفه من إيران والابتعاد عنها، فعندما تقوم إسرائيل باستهداف مقرات عسكرية للنظام فهي بذلك تستهدف المواقف السياسية للنظام من إيران وبمعنى آخر فالنظام السوري قد وقع بين المطرقة الإسرائيلية والسندان الإيراني، وهنا يمكن القول بأن النظام ورغم سيطرته على مناطق واسعة من أيدي الفصائل المرتزقة وتوسع رقعة سيطرته الجغرافية لا يعتبر ذلك انتصارا له إلا في حال تماشيه مع المصالح الإسرائيلية.

إن المواقف الإسرائيلية الأخيرة من النظام  تؤكد بأن بقاء النظام مرتبط بخروج إيران من سوريا وهذا يعني أن الأزمة السورية في المرحلة المقبلة ستكون ضمن إطار كيفية تشكيل نظام جديد في سوريا بين المحور الغربي وإيران وروسيا ودول أخرى، فمجمل الأحداث والتطورات المتعلقة بالضربات العسكرية الإسرائيلية وعلى الرغم من محدوديتها وطبيعة المواقع المستهدفة تحمل معها رسائل سياسية موجهة إلى (روسيا – إيران – النظام – تركيا)، وهذا ما تدركه تركيا جيدا لذلك شهدنا في الفترة الأخيرة اتصالات ما بين إسرائيل وتركيا لإعادة العلاقات الدبلوماسية بينهما وعودة سفرائهما، وبالتالي كي تخفف من ضغوطات الولايات المتحدة الأميركية عليها.

كما تزامنت هذه المستجدات مع تصاعد الخلافات بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا حول الملف السوري وعلى وجه الخصوص ملف إدلب حيث ترغب روسيا عبر رؤيتها بإدارة هذا الملف مع شركائها (تركيا – إيران) وإخراجه من مسار جنيف أي الهيمنة على هذا الملف دون الولايات المتحدة الأمريكية، والتغيير المفاجئ الذي طرأ في الموقف الإيراني من ملف إدلب ووقوفها مع الحل السياسي بعدما كانت تسعى بكل قواها إلى الحل العسكري ليس إلا لضمان الموقف التركي الإيجابي تجاهها ضد العقوبات الأميركية عليها خاصة مع اقتراب المرحلة الثانية من العقوبات الأميركية على إيران في شهر تشرين الثاني وبقاء حدودها وتجارتها مفتوحة مع تركيا، وهنا يأتي الدور الإسرائيلي بإضعاف هذا المحور الروسي عبر ضربات تمثل المزيد من الضغوطات على روسيا، وبذلك تتقاطع وتلتقي المصالح الأمريكية والإسرائيلية حول الأزمة السورية، لإن الإدارة والهيمنة الروسية على الملف السوري يعزز من شأن تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة، وهذا ما ترفضه الولايات المتحدة الأميركية جملةً وتفصيلاً، وما الضربات الإسرائيلية الأخيرة على مدينة اللاذقية وأهدف أخرى معينة ليست إلا رسائل (إسرائيلية – أميركية) مباشرة لهذه الدول تحذرهم من أن:

  • أي حل للأزمة السورية لن يكون عن طريق أستانا أو سوتشي، بل الحل الوحيد للأزمة السورية هو فقط عن طريق مسار جنيف.
  • إخراج إيران من كافة الأراضي السورية، وهذا ما أكده لقاء مستشار الأمن القومي الإسرائيلي مع نظيره الروسي في موسكو قبل قمة (بوتين – أردوغان) بأربعة أيام، وإن الأولويات الإسرائيلية في المنطقة هي حل القضايا الإقليمية والأوضاع في سوريا وأهمها مسألة التواجد الإيراني.

وتدرك روسيا جيداً حساسية التواجد الإيراني على الأراضي السورية، من المتوقع أن اللقاء الأخير الذي جمع (بوتين – أردوغان) بشأن ملف إدلب دون حضور روحاني، ليس إلا محاولات روسية للابتعاد عن الملف الإيراني بسبب الضغوطات الغربية، وما التغاضي الروسي وغياب دفاعاته الجوية أثناء الضربات الجوية الإسرائيلية على المواقع السورية التي تتواجد فيها إيران إلا دليل دامغ على أن روسيا غير راغبة في أن تكون طرفاً في الصراع (الإسرائيلي – الإيراني)، أما إسرائيل فهي تدرك مدى قوة العلاقة (الروسية – الإيرانية) ولا تثق بالجانب الروسي لذلك لم تخبر روسيا بأنها ستشن ضربات على مواقع محددة في اللاذقية إلا قبل دقيقة واحدة من بدء العملية، وبالتالي لم تسنح الفرصة لروسيا بتحذير إيران لأخذ احتياطاتها من هذه الضربات.

لذلك في الفترة القادمة وخاصة بعد الاتفاق على إقامة منطقة منزوعة السلاح في إدلب، وإيقاف أي عملية عسكرية ضدها، قد يكون الصراع القادم في سوريا هو الصراع (الإسرائيلي – الإيراني) والذي قد يسيطر على المشهد السياسي والعسكري في الأيام المقبلة، حيث من الممكن أن تتحول بعض الأجزاء من الأراضي السورية إلى أهداف جوية من قبل إسرائيل وخصوصاً الأماكن التي تتواجد فيها مخازن أسلحة وعتاد عسكري إيراني وبعض المواقع التي تحتوي على معامل لتصنيع صواريخ أرض – أرض، وهنا قد تحصل مواجهة مباشرة من خلال الرد على هذه الضربات من قبل النظام وإيران معا بسبب الأيديولوجية والاستراتيجية التي يتبناها النظام الإيراني في محاربة إسرائيل وحلفائها، وهذا من شأنه جر المنطقة إلى حرب كبيرة قد تنخرط فيها قوى أخرى لصالح الطرفين.

ومن جانب آخر قد يأخذ الصراع (الإسرائيلي – الإيراني) حيزاً كبيراً من الوقت والذي سيكون على حساب إطالة عمر الأزمة في سوريا لسنوات أخرى تتهالك فيها القوى المتصارعة على الأرض السورية، وفي هذه النقطة بالذات من الممكن أن تتجه القوى المؤثرة على مسار الأحداث إلى خلق توازن ثنائي في سوريا بين إسرائيل وحلفائها وإيران وحلفائها، لذا سيتوجب على تركيا في الفترة المقبلة تحديد موقفها من التحالفات الدولية،  وفي المستقبل سيكون من الصعوبة على إيران أن تحقق أهدافها في سوريا، وفي المقابل قد لا تستطيع إسرائيل إنهاء التواجد الإيراني على الأراضي السورية.

 

image_pdfانشاء المقال بصيغة PDFimage_printطباعة

معلومات عن الكاتب

مركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية

اترك تعليقا