أراء و تحليلات

الحشد الشعبي…. الأجندات والأهداف

بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، وقرار السفير الأمريكي بول بريمر، بحل مؤسسات الجيش العراقي، وصولاً إلى انسحاب القوات الأمريكية، أدخل العراق في دوامة من الصراعات والأزمات السياسيّة والعسكريّة، جرّتها إلى نفق مظلم من الصّراعات الطائفيّة والعرقيّة، وعرّضتها للتدخلات الإقليميّة والدّوليّة لتكون في نهاية المطاف مرتعاً للجماعات الإرهابيّة، والتي وجدت ضالّتها في الجغرافيّة العراقيّة لتنفيذ أجنداتها المشبوهة.

واستغلت إيران الوضع في العراق فقامت بدعم المجموعات الإرهابيّة واشغال الأمريكيين بالوضع الدّاخلي المتفاقم في العراق.

حيث استطاع تنظيم القاعدة الإرهابيّ إيجاد موطئ قدم له أثناء قيادة ابو مصعب الزرقاوي، والذي حاول تأسيس دولة الخلافة في العراق، وبات الصّراع على الحكم على أشدّه لتتشكل عدة حكومات طائفيّة دخلت في صراعات مع الفئات والمكوّنات الأخرى. وكان همهم الوحيد هو السيطرة على مقدّرات وثروات العراق، وخدمة الأجندات السّياسيّة الإقليميّة والدّوليّة من أجل تصفية الحسابات فيما بينها على الساحة العراقيّة، وتمثل ذلك في سقوط مدينة الموصل في 10حزيران عام 2014 بيد تنظيم داعش الإرهابيّ.

 وعلى إثر ذلك تم كيل الاتهامات المتبادلة بين الساسة العراقيين حول التّواطؤ في تسليم مدينة الموصل إلى تنظيم داعش الإرهابي بعد فرار الجيش العراقي منها، فأطلق المرجع الشيعيّ علي السيستاني فتوى بالدّفاع عن الموصل.

 ليبدأ الشباب العراقيّ الشيعيّ الالتحاق بساحات المعارك وتشكيل ما يسمى بميلشيات الحشد الشّعبي الشّيعي الطائفيّة لمؤازرة الجيش العراقيّ، وبدعم كامل من حكومة ولاية الفقيه في إيران التي قدّمت كل أنواع الدّعم اللوجستيّ والعسكري لتلك الميلشيات من أجل إحكام السّيطرة السّياسيّة والأمنيّة على العراق وربطها بولاية الفقيه على غرار وجود حزب الله في لبنان المتحكّم الفعلي في السّياسة اللبنانيّة الدّاخليّة والخارجيّة.

 وبعد النجاحات التي حققتها هذه الميلشيات في المعارك ضد تنظيم داعش الإرهابيّ، بدأت بالمنافسة على الحكم مع العراقيين.

والقيام بعملية التخلص من بعض الخصوم والمناوئين تنفيذاً للاستراتيجيّة الإيرانيّة الهادفة إلى تصفية حساباتها حتى مع المكوّنات والفئات الموالية للأمريكيين على الساحة العراقيّة وإعاقة مخططاتهم.

وبضغط من حكومة طهران في 26/11/ 2016 م صوّت البرلمان العراقي باعتبار ميلشيات الحشد الشعبي جزءاً من الجيش العراقي وتخصيص ميزانيّة له، ومحاولة إبعاده عن المسألة القانونيّة عن كل الأفعال التي تقوم بها عناصر هذه الميلشيات الطائفيّة.

ويتميّز الحشد الشعبي بعقيدة الانتماء الشّيعيّ والإيمان والولاء التّام لولاية الفقيه في إيران والارتباط بعلاقة قوية مع قائد فيلق القدس قاسم سليماني، بالرغم من وجود فصائل من مكوّنات أخرى ضمنها، إلا أنها كلّها تتميّز بهذه العقيدة الطائفيّة لخدمة مصالح وأهداف ولاية الفقيه في إيران، الذي يعتبر نفسه الحامي والمدافع عن المصالح الإسلاميّة الشيعيّة في العالم حتى ظهور المهدي المنتظر مخلّص البشريّة من مآسيها.

 وتعتمد ميلشيات الحشد الشّعبيّ على إحكام الحصار الكامل والقتل على الهويّة تنفيذاً للسّياسة الإيرانيّة وإكمال مشروعها في الهلال الشّيعيّ الممتد من إيران إلى البحر المتوسط، لذلك يمكن اعتبار هذه الميلشيات بمثابة التوأم للحرس الثوري الإيراني في العراق، ومحاولة فرض هيمنتها من خلال ميلشيات الحشد الشّعبي في العراق سّياسيّاً وأمنياً ومحاولة تكرار استنساخ تجربة حزب الله في لبنان.

وتختلف الأرقام حول عدد الميلشيّات الشّيعيّة التي تتباين في تعدادها، ولكن الأقرب حسب الإحصاءات الصادرة حوالي /42/ فصيل في العراق تقوم بتنفيذ الأجندات الإيرانيّة، ومن أهمها على الساحة العراقيّة:

سرايا السّلام:  

تتكون من مئات الألاف من المقاتلين, وهي الأكبر تعداداً, و نواة هذا التّنظيم هو جيش المهدي التابع للزعيم الشيعي” مقتدى الصّدر”, ويمتازون بالولاء التام للصّدر, ويمتلكون الأسلحة الخفيفة و المتوسّطة, ويمتازون بخبرة عسكريّة.

منظمة بدر:

وتقدر تعدادها بعشرات الآلاف من المقاتلين, وهي أقوى الميلشيات تنظيمياً وعتاداً, وترتبط بعلاقة قويّة مع مرشد الثورة الإسلاميّة علي خامنئي وقائد فيلق القدس قاسم سليماني, ومن أهم قادتها “هادي العامري”, ويمتازون بخبرة عسكريّة من خلال مشاركتهم في الحرب الإيرانيّة العراقيّة, ويمتلكون أسلحة متنوعة التي تمدهم إيران بها.

كتائب حزب الله في العراق:

تشكّلت عام 2007, وترتبط بالتنسيق  والولاء  لإيران, وشارك أفرادها في معارك عديدة ضد الأمريكيين أبّان الاحتلال الأمريكي للعراق, يمتلكون أسلحة خفيفة و متوسّطة.

عصائب أهل الحقّ:

تحتل المرتبة الثانيّة من حيث التّعداد بعد سرايا السّلام، نشأت عام 2007م يقدر تعدادها بعشرات الآلاف من المقاتلين، ويمتلكون خبرة عسكريّة من خلال محاربتهم الأمريكيين، وترتبط قيادتها “بالشيخ ليث الخزعلي”, ويمتلكون أسلحة متنوعة, وترتبط بالولاء التام لولاية الفقيه و قائد فيلق القدس.

سرايا الخراساني:

تأسست عام 2013م كجناح عسكري لحزب الطّليعة الإسلاميّ بحجة الدّفاع عن المقدّسات في سوريا، وقائدها هو “السيد حامد الجّزائري ” ويقدّر تعدادها بنحو /3/ آلاف مقاتل، ويتميزون بالولاء للخامنئي، وشاركوا بمعارك عديدة إلى جانب الجيش العراقيّ ويمتلكون أسلحة خفيفة ومتوسّطة.

ومع تسارع أحداث الأزمة السورية وتحولها من الحراك السّلمي إلى الحراك المسلّح، بدأت الميلشيات الشّيعيّة بالعمل والقتال في سوريا لدعم النّظام السّوري قبل ظهورها الفعلي وتواجدها في السّاحة العراقيّة مثل سرايا الخراساني، ولازالت كتائب شيعيّة متعدّدة ترسل مقاتليها للقتال إلى جانب قوات النظام السوري، حيث سقط العديد من قادتها على الأراضي السوريّة في الغوطة ودمشق وحلب ودرعا ذات التّواجد الأكبر لهذه القوّات لقربها من الحدود الإسرائيليّة.

وهنا يعتقد بأن ميلشيات الحشد الشعبيّ تتسبب بخلق المشاكل والأزمات للحكومة العراقيّة، لأنها تهدف مع داعميه في إيران إلى جعله في تكوينه وسّياسته مشابهً للحرس الثّوري الإيراني، وأن يكون منافساً للجيش العراقيّ وحتى بديلاً له في الكثير من الأحيان، وإبعاده عن أية مساءلة قانونيّة عن أعماله.

وسياسة الحشد لا تتوقف عند الدّولة العراقيّة فقط إنما قد تمتد إلى الدّول المجاورة للعراق خدمةً للسّياسة التوسعيّة لإيران في المنطقة والتي تقوم على إحداث شرخ في العلاقات الدّوليّة في المنطقة من خلال أدواتها المنتشرة فيها مثل ميلشيّات الحشد وحزب الله في لبنان وجماعة أنصار الله” الحوثيين” في اليمن.

وهنا يمكن اعتبار الحشد الشّعبي وداعميه الإيرانيين من أشد المنافسين للحكومة العراقيّة ومؤسساتها السّياسيّة والأمنيّة والعسكريّة، والهادفة لإخضاع العراق وتبعيتها لولاية الفقيه وإكمال تنفيذ مشروع الهلال الشيعيّ، وللوقوف في وجه التّواجد الأمريكي في المنطقة، ولا تتوانى هذه الفصائل المذكورة عن زعزعة الاستقرار الداخلي في حكومة الإقليم وتجلّى ذلك للعيان ما بدى خلال إجراء الاستفتاء على الاستقلال في باشور كردستان وإضعاف علاقته مع الحكومة العراقيّة في بغداد.

image_pdfانشاء المقال بصيغة PDFimage_printطباعة

معلومات عن الكاتب

مركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية

اترك تعليقا