أراء و تحليلات

الدستور السوري… بين المصالح الدولية وإغفال إرادة الشعوب

تعتمد روسيا على انتهاج خطّ سياسيّ مرتبط بها وبشكل واسع النطاق في الملف السوري بعد أن تمكّنت من توسيع رقعة حليفه النظام على الأرض عبر الدعم العسكري البريّ وتقديم الدعم الجوي عبر شن هجمات جوية على مواقع ما تسمى بالمعارضة، وخلال تلك الفترة من العمليات العسكرية تركزت السياسة الروسية عبر صفقات وتفاهمات مع إيران وتركيا على تقليص مساحات مجموعات المرتزقة وحصرها في بعض البقع الجغرافية. وهنا بدأت روسيا بطرح فكرة دستور سوريا الجديد، بعد أن أقنعت شركائها بتلك الفكرة والتوافق على تشكيل اللجنة القائمة على صياغة الدستور، ومن خلال التمعن في مسودة الدستور والمواد الدستورية المصاغة روسياً نجد أن هذه المسودة تمخضت عن التفاهمات والأهداف المتقاطعة لمصالح روسيا وتركيا وإيران.

وفي قراءة لحيثيات تباحث روسيا وشركائها من أجل تشكيل لجنة لوضع الدستور، وبعد أن تمّ إقرار تشكيل اللجنة الدستورية في مؤتمر “الحوار الوطني” في سوتشي في نهاية يناير الماضي، وضمن سياق تشكيل هذه اللجنة نجد أن روسيا قامت بوضع نسب التمثيل ضمن اللجنة كالتالي: نسبة مشاركة النظام 50% وما تسمى بالمعارضة 30% و20% تضم خبراء دوليين ومستشارين من الأمم المتحدة كمراقبين لعمل اللجنة التي من المقرر تشكيلها. ومع العلم أن نسبة كل قوة على الأرض كالتالي: تسيطر قوات النظام على حوالي 60% من الأراضي السورية، وقوات سوريا الديمقراطية حررت حوالي 30% من الأراضي السورية، أما تركيا والمرتزقة التابعة لها والتي تسمي نفسها بالمعارضة تحتل حوالي 10% من الأراضي السورية، وعلى هذا الأساس يجب أن تكون نسبة مشاركة هذه الأطراف في اللجنة الدستورية على الشكل التالي (حيث يجب تقسيم نسبة 80% على الأطراف المختلفة بعد استبعاد 20% للخبراء الدّوليين):

  • نسبة مشاركة النظام 48% وليس 50%، وهذا إن دلّ على شيء فإنه يدل على رغبة روسيا في تحقيق النسبة الأعلى (أعلى من النصف) وتمرير جميع البنود التي تسعى إلى وضعها في الدستور، لأنها تستطيع إخضاع منصة موسكو لتمرير المواد الدستورية التي تتوافق مع المصالح الروسية، وهذا يضاف إلى نسبة 50% للنظام أي السيطرة على كامل مواد الدستور.
  • نسبة مشاركة ما تسمى بالمعارضة يجب أن تكون 8% وليس 30%، وهذا يوضح الصلاحيات الدستورية التي قدمتها روسيا لتركيا من أجل إرضائها وإبعادها عن الغرب وتحسين العلاقات الاقتصادية معها مقابل تنازل تركيا عن بعض المناطق للنظام، ومن جهة أخرى إفساح المجال لمنصة موسكو للمشاركة ضمن هذا الوفد والتأثير عليه لصالح روسيا.
  • أما مجلس سوريا الديمقراطية وبالرغم من استبعاده عن المشاركة في اللجنة الدستورية يجب أن تكون نسبة تمثيله 24%، ولكن حاولت روسيا إلغاء هذه النسبة لصالح أجندات تركيا فقامت بإضافتها إلى نسبة مشاركة ما تسمى بالمعارضة لصياغة دستور جديد لسوريا.

يمثل مجلس سوريا الديمقراطية الخط الثالث أي النهج المجتمعي لسوريا ويمثل الطرف الوحيد الذي يحمل فكر تعددي ويهدف إلى حماية حقوق جميع مكونات المجتمع وأطيافه، وهنا نستطيع أن نفهم سبب استبعاد هذا الطرف لأن الشعب والمجتمع في سوريا كان خارج العملية السياسية منذ بداية الأزمة لأن مختلف الأطراف الدولية تتحدث وتتفاوض باسمه ولكن ترسم مستقبل هذا الشعب وفقاً لمصالحها.

تريد روسيا بعد كتابة الدستور تمريره تحت مظلة جنيف لكسبه الشرعية الدولية، وهذا ما أكدته روسيا على لسان وزير خاجيتها سيرغي لافروف عقب اجتماع سوتشي في يناير المنصرم. ولكن من الصعب جداً نجاح هذه اللجنة في صياغة الدستور لأن هذه الأطراف المشاركة ليست على حال من التفاهم فيما بينها ولا تملك مشروعاً ديمقراطياً ولا رؤية واضحة لتسوية الأزمة السورية ووضع دستور مناسب لها، ويضاف إلى ذلك حدة التناقضات بين الغرب وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعم مسار جنيف من جهة، والتجاذب والتقارب الحاصل بين روسيا وتركيا وإيران التي تدعم مسار أستانة من جهة أخرى.

أما بالنظر إلى مسودّة الدستور التي طرحتها روسيا في يناير من العام المنصرم في أستانة، نلاحظ بأنها قد وضعت بما ينسجم مع المصالح التركية والإيرانية في سوريا، حيث جاء ضمن المادة الرابعة من المسودة في الفقرة الثانية ” تستخدم أجهزة الحكم الثقافي الكردي ومنظماته اللغتين العربية والكردية كلغتين متساويتين” لدى التمحيص في هذه الفقرة وخاصة “أجهزة الحكم الثقافي” نجد بأنها خطوة إلى الوراء وتضمن حقوق ثقافية لا أكثر ولا تعطي أي قيمة او اعتبار لإرادة الشعوب في إدارة نفسها بنفسها ومن الملفت للنظر أنها تسعى إلى عدم الاعتراف باللغة السريانية والمعترف بها بشكل رسمي في كامل مؤسسات الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا وهذه أيضاً تعتبر خطوة إلى الوراء. كما جاء في الفقرة الرابعة من المادة 15 ” يبين القانون وضعية الحكم الذاتي الثقافي الكردي”، وهذا البند بحد ذاته يتوافق مع الرؤية الإيرانية أيضا التي ترى في ضرورة الحفاظ على مركزية السلطة التي ستتحكم بتفاصيل الحقوق الثقافية بدلاً عن أصحاب هذه الثقافات، مثلما قرر النظام في وقت سابق إدخال المناهج الكرديّة في النظام التعليمي ولكن باستخدام الحروف العربية والتي هي في الأصل حروف إيرانية والغاية منها إرضاء إيران وصهر الثقافة الكردية في بوتقة الثقافة الإيرانية. وجاء في المادة الثانية من الفقرة الرابعة ” لا يجوز لأي جزء من شعب سوريا وأي منظمة اجتماعية استملاك صلاحية ممارسة السلطة ويكون استملاك السلطة جريمة قاسية”، وهذا يعني أنه لا يحق لأي مكون المطالبة بالحكم السياسي الذاتي وممارسة الإدارة الذاتية السياسية لتتوافق هذه المادة مع السياسة التركية التي تسعى إلى إنهاء أي كيان سياسي تعددي يلعب فيه الكرد دوراً ريادياً أو حتى دوراً ثانوياً.

ومن هنا يمكن القول بأنه من المبكر في ظل وجود كثير من الأمور العالقة سياسياً وعسكرياً، دولياً ومحلياً القيام بصياغة دستور جديد أو تعديل ما هو موجود، ويمكن أن يتحقق ذلك بعد تحرير إدلب والشمال السوري من المرتزقة والإرهابيين والذي سيؤثر على العلاقات بين القوى الفاعلة على الأرض وبالتالي سيؤثر على موضوع صياغة الدستور السوري وأيضاً يتحقق ذلك بالوصول إلى صيغة تفاهم بين روسيا وأمريكا حول سوريا والنقطة الهامة الأخرى أيضاً هي الأخذ بعين الاعتبار إرادة شعوب سوريا.

لذا فتتصدر مسألة صياغة دستور سوري جديد متكامل واجهة الحدث السّياسي الدّولي والإقليمي إزاء سوريا والطريق إلى إزالة العقبات أمام الجهود الدولية يمر عبر جنيف وليس أستانة.

image_pdfانشاء المقال بصيغة PDFimage_printطباعة

معلومات عن الكاتب

مركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية

اترك تعليقا