أراء و تحليلات

أمريكا وحروبها الاقتصادية

يبدو أن زمن الحروب التقليدية والصراعات العسكرية بين دولتين عظيمتين لم يعد كما كان مؤخراً وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية 1939-1945م  وبإمتلاك الولايات المتحدة الأمريكية للقنبلة النووية والتي استخدمتها في اليابان في مدينتي “هيروشيما وناجازاكي”  والتي راح ضحيتها الآلاف من السكان،  فقديماً عندما كان كل تهديد يحصل بين رئيسي دولتين كان يرافقه إنزال المدرعات والدبابات والجيش وكانت الحروب تتواصل لعدة سنيين إلى أن يتم التدخل ووقف الحرب بعقد اتفاقيات بين الدولتين بمشاركة بعض الدول ذات الثقل السياسي والعسكري ، لكن الآن وبعد الحرب العالمية الثانية وخروج الحلفاء منتصرين منها،  بدأت أمريكا تحكم العالم بوسائل مختلفة كلياً عن تلك التي كانت متبعة من قبل وخاصة في الفترة الأخيرة عند استلام ترامب للحكم ويكمن ذلك في عدة أسباب:

  • أمريكا لا تريد تكرار تجربة العراق وأفغانستان وباكستان فحسب تقرير (تكاليف الحروب) الذي أعده معهد واطسون للدراسات الدولية التابع لجامعة براون عام 2011م إن إجمالي التكلفة ستكون 7 ،3 تريليون دولار على الأقل ومن الممكن أن تصل حتى إلى 4.4 تريليون دولار.
  • أمريكا خسرت في العراق وحدها وفقاً لآخر أرقام وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، فقدت الولايات المتحدة الأمريكية 4487 عنصراً في العراق بدءاً من التاسع عشر من شهر مارس/آذار من عام 2003 حتى انسحابها 2011، هذا العدد الهائل من القتلى من شأنه زيادة السخط الشعبي على السياسية الأمريكية لهذا أقرت القيادة الأمريكية عدم الانخراط في الحروب بشكل مباشر إلا في حالات استثنائية وبأعداد قليلة (سوريا).
  • أمريكا على دراية بأن تدخلها العسكري المباشر في بعض الدول يلاقي معارضة من الشعب الأمريكي ومن بعض الدول الكبرى لهذا تريد إيجاد شكل آخر من أجل هيمنتها على العالم وبأشكال أكثر منطقية وفعالية.

وإنطلاقاَ من هذه الأسباب قامت أمريكا مؤخراً بإصدار قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات الاقتصادية بدلاً من التدخل العسكري المباشر والمكلف بشكل كبير وذلك خلال المؤتمر ال 115، 98-2 في مجلس الشيوخ الأمريكي، في 2 أغسطس 2017، وقع الرئيس دونالد ترامب على القانون ويهدف من وراء هذا القانون عادة إلى معاقبة دولة ما على مواقف أو سياسات معينة، أو التأثير عليها لإجبارها على تغيير سلوكها، أو القضاء على إمكاناتها العسكرية.

فيذكر بأنه بعد غزو العراق للكويت في العام1990م إبان عهد الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، تم فرض عقوبات من قبل مجلس الأمن ومن قبل أمريكا وراح ضحيتها حوالي مليون ونصف مدني بسبب العقوبات الاقتصادية الصارمة على العراق والتي تسببت بإحداث مجاعة جارفة.

 لهذا فأمريكا بدأت تخوض حروباً جديدةً وهي الحروب التجارية والعقوبات الاقتصادية لذا فهي لا تريد أن يقف أحدٌ في وجه هيمنتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، لذا تقوم بفرض العقوبات على الدول التي تعادي نهجها وتقوم بتهديد مصالحها في مناطق تواجدها ، أو تحاول كي تصبح دولة عظمى يمكن أن تواجه أمريكاَ مستقبلاَ  عسكرياً واقتصادياً كالصين.

فمنذ تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سدة الحكم والمعروف بأنه رجل أعمال وملياردير من الطراز الرفيع ، فأمريكا تحاول عن طريقه تطبيق نهج جديد لمواجهة أعدائها وكيفية إخضاع الدول لها ، فمنذ توليه الرئاسة تتالت العقوبات على مجموعة من الدول ومن بينها كوريا الشمالية التي حصلت على السلاح النووي فقد وصلت التهديدات بين الدولتين إلى حد مواجهة عسكرية تستخدم فيها جميع الأسلحة ومن بينها النووية من خلال تصريحات الرئيسين الشديدة اللهجة، لكن بسبب الحصار الاقتصادي الأمريكي عليها فضلت كوريا الشمالية الحوار من أجل نزع السلاح النووي فتم عقد قمة بين الرئيسين في سنغافورة 12حزيران وتم الاتفاق على عدة نقاط ومن ضمنها نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية بشكل كامل ورفع بعض العقوبات الاقتصادية عن كوريا الشمالية، وهذا من أكبر الانتصارات الدبلوماسية الأمريكية.

فالسياسية الأمريكية تعتمد تارة على الترغيب  وتارة أخرى على الترهيب فالرئيس يواصلُ مهامهُ بإتباع هذه الحرب التجارية من خلال مواصلة فرض العقوبات الاقتصادية على إيران التي أتت بثمارها من خلال تحريك الشارع الإيراني الذي تظاهر ضد الحكومة الإيرانية بسبب سوء الوضع الاقتصادي  والفقر الذي يعاني منه، والذي ازداد سوءاً بسبب العقوبات الاقتصادية القاسية من قبل أمريكا وتتواصل هذه العقوبات إلى الآن حتى  تتمكن أمريكا من إخضاع الحكومة الإيرانية لها.

وفي الأشهر الأخيرة بدأت أمريكا بالتوجه نحو العدو المستقبلي  وهي جمهورية الصين الشعبية التي تعتبر ثاني أكبر قوة اقتصادية بعد الولايات المتحدة الأمريكية ففي الآونة الأخيرة فرضت أمريكا حزمة من العقوبات الاقتصادية بغية منها لردع المارد الصيني مستقبلاً ، فأمريكا لم تكتف بفرض العقوبات على هذه الدول بل حتى على روسيا وتركيا وغيرها من الدول التي تحاول أن تعادي السياسية الأمريكية أو تهدد مصالحها التجارية.

فقوة الاقتصاد والعقوبات الأمريكية وهيمنة الدولار الأمريكي على أسواق العالم ينبع من عدة أسباب أهمها هو كون أمريكا خرجت من الحرب العالمية الثانية منتصرة إلى جانب تراجع القوى المهيمنة كبريطانيا وفرنسا وألمانيا، ففي عام 1944 تم عقد مؤتمر باسم  “بريتون وودز” بحضور 44دولة لإنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتم الاتفاق على أن يقوم الأمريكيون  بإدارة البنك الدولي، بينما يقوم الأوروبيون بإدارة صندوق النقد الدولي.

واستكمالاً للاتفاقية السابقة تم سحب الذهب من التعاملات التجارية واستبداله بالأوراق النقدية وقد حددت أمريكا سعر الذهب فكل أونصة ذهب قيمتها 35 دولاراً، وكانت أمريكا تشرف على تنفيذ هذه الاتفاقية حتى عام 1971  لكن  ريتشارد نيكسون قام بمفاجأة العالم وفرض ترتيباً آخر يقضي بعدم مقايضة الدولار بالذهب، وأن العملة الأمريكية ستعرض في السوق تحت بند المضاربة، وهو ما يعني أن سعر صرف الدولار يحدده العرض والطلب، وقام بهذه الخطوة بعد الحرب مع فيتنام التي جعلته يخسر الكثير من اقتصاده، حيث غرقت الأسواق العالمية بالدولار و طالبت الكثير من الدول بالذهب، دون أن تلق أي اعتراض من الدول وهي مستمرة حتى الآن حيث قال نيكسون وقتها  “يجب أن نلعب اللعبة كما صنعناها، ويجب أن يلعبوها كما وضعناها”.

أيضاً من أسباب تحكم الولايات المتحدة بالتجارة والاقتصاد العالمي أنه في عام 1947 م تم اعتماد الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة المعروفة باسم “جات” التي تتخذ من جنيف في سويسرا مقراً لها، بعد إجراء مفاوضات لتحرير التجارة، وبموجب هذه الاتفاقية قبلت الولايات المتحدة بإدارة الاقتصاد العالمي بصفتها القوة العظمى الأولى بعد تراجع نفوذ بريطانيا في العالم بعد تكبدها لخسائر فادحة إبان الحرب العالمية الثانية.

يبدو أن السياسة الأمريكية في هذه المرحلة تريد أن يكون هناك رجل ذو شخصية قوية كترامب من أجل خوض حروب هيمنة جديدة ومختلفة عن الذي كانت قبله وتريد أن تنشئ نظام عالمي جديد تكون فيه أمريكا القوة العظمى وكما يقول ترامب أمريكا أولاً، وتريد شرق أوسط جديد تكون فيها اسرائيل القوة العظمى المهيمنة عليها، لهذه الأسباب فأمريكا تقوم بالإنسحاب من الاتفاقيات الواحدة تلو الأخرى على ما يبدو بأن هذه الاتفاقيات الموقعة في عهد أوباما كانت تقيد أمريكا نوعاً ما ولا تحقق مصالحها السياسية والاقتصادية التي تعتبر من أولويات رجل الأعمال ترامب لهذا باشرت بالانسحاب منها: 1- انسحاب أمريكا من اتفاقية المناخ في باريس الموقعة في 2015م التي كانت تشارك فيها جميع دول العالم باستثناء سوريا ونيكاراغوا، ففي 1 حزيران 2017 انسحب ترامب من الاتفاقية وصرح بأن الاتفاقية قاتلة للأعمال وخطوة مخادعة خانقة للاقتصاد الأمريكي وغير عادلة تماماَ، فهناك دول تحاول الاستفادة منها على حساب الولايات المتحدة، فترامب غير مهتم بالإيكولوجيا والطبيعة فهمّه تقوية الاقتصاد الأمريكي بأي شكل من الأشكال ومهما كان الثمن.

2- ترامب أعلن  في أيار 2018م انسحابه من الاتفاقية النووية المبرمة في 2015م والتي وصفها بالكارثة، فإيران على مدار 3 سنوات من تاريخ توقيع الاتفاقية لم تقم بإنهاء أنشطتها النووية وهي التي تتغلغل بقوة في سوريا واليمن والعراق ولبنان وتقوم بتهديد أمن اسرائيل، الحليفة الاستراتيجية لأمريكا في الشرق الأوسط ، لذا كان على ترامب الانسحاب من هذا الاتفاق من أجل تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير وشل قوة قدرات إيران في المنطقة سواء أكان عبر العقوبات الاقتصادية والتجارية المحكمة أو أحياناً بالغارات الإسرائيلية أو بالضغط على روسيا من أجل إخضاع الحكومة الإيرانية، وترسيخ نفوذ أمريكا في المنطقة عبر حليفتها إسرائيل.

  • أمريكا أعلنت انسحابها من مجلس حقوق الإنسان عبر السفيرة الأمريكية بالأمم المتحدة نيكي هيلي في حزيران 2018 حيث أكدت السفيرة بأنه مجلس منافق وأناني، فأمريكا تبدو غير راضية عن البند السابع في المجلس، الذي ينص على أن يكون في كل عام على جدول أعمال المجلس انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، لأن أمريكا تتخذ من إسرائيل المفتاح من أجل مشروعها في الشرق الأوسط فعند انسحابها باشر نتنياهو بشكر أمريكا على هذا القرار الشجاع، وهذا يؤكد مدى العلاقة الحميمة بين أمريكا وإسرائيل ووجود مشاريع كبيرة بينهما.

فكل هذه الانسحابات من الاتفاقيات والحروب التجارية والعقوبات الاقتصادية التي تقوم بها أمريكا إنّما هي بوادر ومؤشرات على هيمنة عالمية جديدة وبأساليب مختلفة  وخوض  حروب عسكرية أو حروب اقتصادية أو حروب دبلوماسية وقد ذكرها المفكر الأممي عبدالله أوجلان في كتابه مانيفستو الحضارة الديمقراطية –المجلد الخامس، عن كيفية هذه الحرب المندلعة وكيف ستقوم أمريكا بأتباع أساليب مختلفة في هذه الحرب.

“إنّ “الحرب العالمية الثالثة” حقيقة قائمة. ومحورها المركزي هو جغرافية الشرق الأوسط وأوساطها الثقافية. والأحداث المعاشة في العراق بصفتها مركز ثقل الحرب العالمية الثالثة، إنما توضح بشكل كافٍ ووافٍ كون الحرب المندلعة فيه ليست معنيةً ببلدٍ واحد، بل بمصالح ووجود قوى الهيمنة العالمية أيضاً. ولا يمكن إنهاء هذه الحرب، إلا بشل تأثير إيران كلياُ، وباستتباب الأمن والاستقرار في أفغانستان والعراق، وبإخراج كل من الصين وأمريكا اللاتينية من كونهما عنصر تهديد. وعليه، لا زلنا في منتصف الحرب التي ستدوم فترةَ قد تصل إلى عشر سنواتِ أخرى على أقل تقدير، على الرغم من عدم صواب الجزم بذلك على صعيد العلوم الاجتماعية (أخر المخططات الاستراتيجية للناتو أيضاً، ترتأي استمرارها مدةً قدرها عشر سنوات). هذا وسيتكاثف الحراك الدبلوماسي فيها أحياناً، والعنف أحياناً أخرى. وسيجري التدخل في الأجندة عبر أزماتٍ اقتصاديةٍ شديدةٍ ومضبوطة”.

 

image_pdfانشاء المقال بصيغة PDFimage_printطباعة

معلومات عن الكاتب

مركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية

اترك تعليقا