أراء و تحليلات

التآمر بالصمت

تشهد عفرين بشكل يومي مزيداً من الانتهاكات و ذلك بارتكاب شتى صنوف القمع والإبادة والتغيير الديمغرافي الممنهج ومختلف أشكال الاضطهاد بحق عفرين بشراً وشجراً وأرضاً وتقوم بإزالة وتشويه المعالم التاريخية الموجودة على سطح الأرض وباطنها، وكأن كلَّ شيء مباحٌ في هذه الأرض، وتم تحويل هذه الممارسات إلى عمل يومي تنتهجها المرتزقة بتخطيط وتعليمات من تركيا ذات الباع الطويل في هذه الممارسات ضد الكرد طيلة التاريخ الحديث، حيث تقوم تركيا ومرتزقتها بممارسات معادية للوجود الكردي وطموحاتهم الديمقراطية لأن الكرد أفشلوا جميع مخططاتها منذ بداية الصراع في سوريا.

دخل احتلال تركيا لعفرين شهره السابع، ومنذ يومه الأول ترتكب تركيا وإلى الآن بشكل متواصل ومتصاعد القتل والانتهاك والنهب في عفرين، فبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان لا يزال هناك 835 معتقل لدى مرتزقة تركيا بعد أن تم الإفراج عن بعض المدنيين بعد التحقيق والتعذيب الذي مورس بحقهم ودفع فدية مالية وصلت إلى 10 ملايين ليرة سورية عن الشخص الواحد وممارسة الضغط على القلة القليلة من الكرد الذين لم يتمكنوا من الخروج من عفرين من الناحية المعيشية والأمنية وإجبارهم على النزوح إلى خارج عفرين وحتى عند النزوح أيضاً يجبر المرتزقة الأهالي على دفع مبالغ كبيرة لحواجزهم حتى يتم السماح لهم بالعبور, حيث وصل عدد العوائل التي قصدت الخروج من عفرين ووصلت إلى الشهباء و كوباني ومنبج إلى أكثر من ألف عائلة منذ فترة قريبة، وبحسب المرصد ذاته أستشهد على يد قوات الاحتلال التركي ومرتزقته حوالي 375 شخصا مدنياً, ما يعني أن تركيا تقوم بعملية إبادة منظمة بهدف القضاء على الوجود الكردي في عفرين وتهجير مئات الآلاف من الكرد عن أرضهم التاريخية، ويضاف إلى ذلك عملية نهب ممتلكات المواطنين والاستيلاء عليها حيث وصلت نسبة المزارع التي تم الاستيلاء عليها وتسليمها لعوائل المرتزقة والمهاجرين إلى أكثر من 75% من مساحة مزارع الزيتون الموجودة كما اقتلعت الآلاف من أشجار الزيتون بحجة فتح طرقات عسكرية وتجارية مع المدن التركية القريبة من عفرين وهذا يعني أن الممارسات في عفرين لها بعدان:

البعد الأول: الانتقام من كرد سوريا في شخص عفرين بالممارسات الصارخة التي تمارسها تركيا، وذلك بتسليم كل ما هو موجود من أرض وشجر وحجر للمرتزقة وعوائلهم وإطلاق أيديهم لتطال كل شيء.

البعد الثاني: ضم عفرين إلى تركيا، وهذا يتضح من خلال السياسات التركية في عفرين من فتح الطرقات التجارية والعسكرية وتتريك المنطقة وذلك عبر تغيير اسماء الشوارع ورفع صور أردوغان والأعلام التركية فوقها، وإقامة أكثر من قاعدة عسكرية في المواقع الجبلية الإستراتيجية.

ومقابل كل هذا بقي المجتمع الدولي والإقليمي صامتاً بشكل مريب، حيث لم يلحظ في الأوساط السياسية العالمية تنديداً قوياً حيال ما يحصل في عفرين سوى تصريح خجول لمنظمة العفو الدولية في أغسطس المنصرم مطالبةً تركيا بوضع حدٍّ للانتهاكات التي تمارسها فصائل المرتزقة العاملة تحت إمرتها, ما يوضح حقيقة هذه المنظمات الدولية التي تدعي الدفاع عن الحقوق والحريات, فالسياسات التي تعمل عليها هذه المنظمات مرتبطة بشكل وثيق بالسياسة الدولية, بحيث لا تندد بانتهاك حاصل في منطقة ما إلا عندما يصب ذلك في مصلحة بعض الدول الداعمة لها والتي ترغب في الحصول على تنازلات من الدولة المنتهكة لحقوق الإنسان وتلتزم هذه المنظمات الصمت إذا ما أثر تنديدها سلباً على العلاقة بين الدول الداعمة لها وبين الدول المنتهكة لحقوق الإنسان. وخير دليل على ذلك المأساة التي يعيشها أهالي عفرين في الشهباء من سوء الأوضاع الصحية والمعيشية وإلى الآن لم تناقش أي جهة دولية تدعي الدفاع عن الإنسانية والحقوق في تقديم المساعدات لهم. لا بد من تحليل صمت كل جهة على حدى من أجل فهم عمق القضية وإمكانية إيجاد الحلول المناسبة لتحرير عفرين وعودة الأهالي إلى بيوتهم واسترجاع ممتلكاتهم.

فالصمت الأوروبي نابع عن تخوف الدول الأوروبية من زيادة تدفق اللاجئين إليها وزيادة أعبائها, كما وتعتبر الدول الأوروبية وبالأخص ألمانيا, تركيا سوقاً مربحة لتصريف أسلحتها ومن ناحية أخرى تتخوف من تحريك تركيا للإرهابيين المتواجدين في الدول الأوروبية للقيام بعمليات إرهابية انتقامية, فبالتزامن مع الخلافات التركية الأوروبية في السنوات الماضية وتهديدات تركيا لها, تمت فيها هجمات إرهابية كالذي حصل في بلجيكا وفرنسا. ويضاف إلى جملة هذه الأسباب التي تجعل الدول الأوروبية تلتزم الصمت حيال عمليات التطهير العرقي في عفرين, العلاقة القوية التي تربط تركيا ببريطانيا وتأكيد الأخيرة على “حق تركيا في الحفاظ على أمنها القومي” في محاربة الكرد وخاصة عندما وصفت رئيسة الوزراء تيريزا ماي الكرد في سوريا ب”الإرهابيين” ولا يمكن فصل ذلك عن قوة العلاقة التاريخية بين بريطانيا وتنظيم الإخوان وفرعه حزب العدالة والتنمية.

الصمت الأمريكي كان بحجة عدم تواجد قوات لها في غرب الفرات باعتباره خاضع للنفوذ الروسي ولكن السبب الحقيقي هو الرغبة بعدم خسارتها تركيا لصالح روسيا, أي أن الولايات المتحدة الأمريكية تحاول خلق توازن بين تحالفها مع قوات سوريا الديمقراطية في شرق الفرات وإهمال هذا التحالف في عفرين لصالح حليفتها تركيا وبالتالي حماية مصالحها مع كلا الطرفين.

أما روسيا فهي صاحبة الباع الطويل في بيع وشراء الأراضي السورية عبر بازارات علنية وأبرزها بيع مدينة الباب و ريفها مقابل حلب وفتح المجال الجوي لعفرين للطائرات التركية مقابل الغوطة, حيث تسعى روسيا بذلك إلى إبعاد تركيا عن الحلف الغربي وإضعاف العلاقات بين تركيا والناتو حتى الوصول إلى إخراجها من هذا الحلف وإنجاح صفقة قاعدة صواريخ إس400 الموقعة مع تركيا.

لذا لا يمكن التعويل على مواقف المجتمع الدولي من أجل تحرير منطقة عفرين المحتلة من قبل تركيا ومرتزقتها, كما ولا يمكن الوثوق بالمنظمات الدولية طالما أنها لا تزال تلتزم الصمت القاتل وتعمل وفق أجندات الأنظمة الاستبدادية. فالطريق الأكثر فعالية هو بالدرجة الأولى الاعتماد على الإمكانات الذاتية للشعب الكردي وبقية المكونات الأخرى التي امتزجت دماء الشعب الكردي بدمائها في سبيل تحرير مناطق شمال وشرق سوريا من الإرهاب والاستمرار في مقاومة العصر التي دخلت مرحلتها الثانية بوتيرتها العالية حتى الوصول إلى تحرير عفرين بالكامل وبالدرجة الثانية يمكن الاستفادة من التناقضات الدولية والخلافات الروسية-التركية إن حدثت بسبب موضوع إدلب.

image_pdfانشاء المقال بصيغة PDFimage_printطباعة

معلومات عن الكاتب

مركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية

اترك تعليقا