Home Blog Page 5

مأساة السادس عشر من أكتوبر

         يعاني باشور كردستان (إقليم كردستان) في الآونة الأخيرة من أزمة خانقة على الصعيدين السياسي والعسكري، وذلك بسبب ما آلت إليه تداعيات استفتاء إقليم كردستان الذي جرى في الخامس والعشرين من شهر أيلول الماضي، فعلى الصعيد السياسي تم عزل كردستان سياسياً عن محيطها الإقليمي والدولي، حيث أدركت القوى الإقليمية بأن نتائج الاستفتاء وما ستؤول إليه من استقلال للإقليم فإنه سوف يضرّ بمصالحها الحيوية داخل العراق إضافة إلى التأثير المباشر على الداخل التركي والإيراني على وجه التحديد، من هنا بدأت هذه القوى تحيك المؤامرات تلو الأخرى بغية عدم إنجاح هذا المشروع، حيث حصل تقارب بين تركيا وإيران على الصعيد العسكري والاتفاق على مواجهته سياسياً واقتصادياً وعلى كافة الأصعدة، حيث قامت القوات التركية والإيرانية بمناورات قرب حدود الإقليم كل على حدة وذلك قبل عملية الاستفتاء بأقل من يومين، بل وزد على ذلك أن المناورات أصبحت حتى مشتركة بين هذه الدول كالعراق وتركيا، والعراق وإيران رغم الخلافات السياسية المعلنة وغير المعلنة بينهما على أي دور لكلتا الدولتين في مستقبل العراق ما بعد داعش.

       وقد سخّرت تركيا من طرفها كافة إمكاناتها الدبلوماسية للحصول على تأييد الدول الفاعلة في الملف العراقي برفض الاستفتاء وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، كل هذه المواقف المضادة للاستفتاء بالرغم من أنها كانت واضحة المعالم ويُصرح عنها بشكل علني إلا أن حكومة إقليم كردستان لم تأخذ هذه الإشارات على محمل الجد، بينما كانت الحكومة العراقية تصعّد من وتيرة تصريحاتها السياسية بعدم قبولها الاستفتاء جملة وتفصيلاً مستندة على الرفض الإقليمي و الدولي وعلى لسان أرفع مسؤوليها كرئيس الوزراء العراقي “حيدر العبادي”، ويبدو أن هذه التصريحات كانت تخفي وراءها تحضيرات عسكرية للهجوم على الإقليم والمناطق المتنازع عليها، وهذا ما بدا واضحاً من الحملة التي قامت بها القوات العراقية وميليشيات الحشد الشعبي على كافة المناطق المتنازع عليها، يُستدل من ذلك بأن الحكومة العراقية كانت عازمة وبكل تياراتها السياسية المختلفة والمتصارعة فيما بينها على رفض استقلال الإقليم، حيث تعالت الأصوات من الأحزاب والشخصيات المعارضة للحكومة العراقية والتي كانت حتى الأمس القريب تؤيد إقامة دولة كردية إلى الانكفاء وراء عباءة “العبادي” الذي يريد أن يتحول من ذلك الشخص الضعيف المهزوز في العراق إلى شخصية قوية يرضى عنها الداخل والخارج، وذلك تهيأةً للانتخابات القادمة في العراق.

     أما بالنسبة للإقليم لم يكن يمتلك جبهة داخلية موحدة متكاملة للتوجه إلى هكذا مشروع مصيري للشعب الكردي في ” باشور كردستان “، فكما هو واضح منذ عام 1991 لم يكن هناك إدارة موحدة وسياسة موحدة تُدير هذا الإقليم بالرغم من وجود منطقة حظر جوي، حتى أنه أدت خلافاتهم إلى نزاعات مسلحة دامية بين الأطراف الرئيسة في الإقليم (الحزب الديمقراطي الكردستاني في أربيل والاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية)، وقد أدت أعنف الصراعات في عام 1996 إلى حدوث شرخ عميق في المجتمع الكردي هناك, وكذلك تمسك كل طرف بقوة إقليمية تدعمه (العراق وإيران)، دام ذلك حتى عام 1998 عندما تم دعوة الطرفين إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتم استقبال كل من ” مسعود البرزاني وجلال الطالباني” من قبل وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك “مادلين أولبرايت” والتي بدورها عملت على تقريب وجهات النظر وتشكيل إدارة موحدة كانت شكلية يُدار بها الإقليم، وكانت غاية الولايات المتحدة من تلك المصالحة التمهيد للحرب على النظام العراقي وكسب الطرف الكردي كمؤيد وليس معارضاً لها

       وبُعيد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 والذي أدى إلى انهيار نظام الحكم في العراق ما أدى إلى فوضى عارمة في العراق، ولم يستفد الكرد في ذلك الوقت من الفراغ السياسي والعسكري لإعلان استقلالهم عن الدولة العراقية، إلا أنهم فضلوا الذهاب إلى بغداد ومشاركة المعارضة العراقية التقليدية والتي دخلت على ظهر الدبابات الأمريكية إلى قلب بغداد، وفيما يبدو وحتى في ذلك الوقت لم تكن الأطراف السياسية في إقليم كردستان تمتلك قراراً سياسياً موحداً لتحقيق أية مكتسبات للشعب الكردي، بل أن قراراتها كانت تتأثر بالأطراف الإقليمية والمصالح الحزبية الضيقة بعيداً عن مصالح الشعب الكردي، حيث انعكست هذه الخلافات أيضاً على مستوى التفاوض مع السّاسة العراقيين الجدد على صياغة الدستور العراقي الجديد، حيث تم صياغة دستور مُبهم حول الحقوق الكردية في المناطق الكردستانية مثل كركوك وغيرها، حيث سُميت هذه المناطق بالمناطق المتنازع عليها بالرغم من قدرة البيشمركه في السيطرة عليها بشكل كامل في ذلك الوقت، ويبدو أن نتائج تلك الانتكاسة يتم حصدها اليوم على مستوى تمسك الحكومة العراقية بالدستور، ما يدل على وجود ثغرات قوية فيه لم تكن لصالح الكرد.

      وبالعودة إلى موضوع الاستفتاء الذي جرى في إقليم كردستان و لقراءة المشهد بشكل سليم يجب العودة إلى واقع العلاقات الحزبية داخل الإقليم, أن ما تشهده الساحة الكردستانية من خلافات حزبية داخل البيت الكردي وصولاً إلى الخلافات الحزبية داخل كل حزب على حدا, حيث حاول كل حزب الاستقواء بطرف إقليمي ضد الطرف الآخر وهذا ما بدا واضحاً من تمسك حزب الاتحاد الوطني بالطرف الإيراني والعمل على تنفيذ أجنداته ليس في كردستان فقط بل حتى في المنطقة, وينطبق ذاك السيناريو على الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة “مسعود البرزاني” بتركيا, حيث أن مسيرة الخلافات بين هذين الحزبين كانت تعكس دائماً وتيرة العلاقة التركية الإيرانية, فكلما كانت الخلافات تتعمق بين هذه الأطراف الإقليمية حول قضايا المنطقة كانت تنعكس آثارها وبشكل سلبي على الإقليم، ولعل من أبرز تلك المشاكل كان وجود إدارتين في الإقليم, واحدة في السليمانية والأخرى في أربيل ليس على الصعيد السياسي فقط بل وعلى كافة الصعد العسكرية والاقتصادية, بالرغم من محاولة كلا الطرفين الكرديين إخفاء مدى عمق تلك الخلافات, وهذا ما بدا واضحاً في عدم اتفاقهما وبشكل جلي على موضوع الاستفتاء على الرغم من التصريحات المؤيدة للاستفتاء التي أطلقها مسؤولو كلا الحزبين قبيل إجراء الاستفتاء.

     ففي السليمانية كانت الخلافات على أشدها داخل التيارات الحزبية هناك كالاتحاد الوطني وحركة التغيير والحزب الإسلامي، حيث رفض الحزبان الآخران توقيت الاستفتاء ومن جملة المبررات التي سعى كلا الطرفين إلى ترويجها وجود برلمان معطل منذ سنتين وحكومة مُسيطر عليها من قبل جهة واحدة, إضافة الى انتهاء فترة رئاسة الإقليم لذلك دعيا إلى تأجيل موضوع الاستفتاء. إضافة إلى ذلك هناك مشكلة عدم الثقة في الحزب الديمقراطي الكردستاني في أربيل من قبل جماهيره وإحساس الحزب بفقدانه ثقة الشعب وخاصة بعد انسحاب قوات البيشمركه من شنكال في 3 آب عام 2014 وترك السكان المدنيين عرضة لوحشية داعش, كل ذلك أدى بالحزب الى اتخاذ إجراءات من شأنها إعادة هيبة وثقة الجماهير ما أدى إلى تعطيل البرلمان والتفرد في الحكومة وقد خلق ذلك نوعاً من الامتعاض الشعبي من قبل تيارات داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني عرّضت تلك الشراكة التاريخية الهشة بين الاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية والحزب الديمقراطي الكردستاني في أربيل إلى انقسامات ونزاعات داخل الاتحاد الوطني بين مؤيد ومعارض لما قام به الرئيس “مسعود البرزاني” وحكومته ضد حركة التغيير من منع رئيس البرلمان من الوصول إلى البرلمان وممارسة أعماله بشكل اعتيادي.

     فمن المعلوم أن الاتحاد الوطني الكردستاني هو مجموعة التيارات السياسية المنشقة بالأصل من الحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 1974, بمعنى أن هذه التيارات ليس على توافق دائم وأن توزيع المناصب في إدارة حكومة الشراكة وإدارة مدينة السليمانية فقط تجمعهم وخاصة بعد مرض زعيم الاتحاد الوطني “جلال الطالباني” وغيابه عن الساحة السياسية ما أدى إلى بروز نزاعات وتنافس داخل الاتحاد الوطني، وهذا ما كان جلياً في الفترة الأخيرة وبوجه الخصوص فيما يتعلق بموضوع الاستفتاء. فقد انقسمت زعامات التيارات في الاتحاد بين مؤيد للاستفتاء مثل “قوباد الطالباني وكوسرت رسول” ومحافظ كركوك “نجم الدين كريم” وآخرون, ومن جهة أخرى كان هناك جهات لم تكن مشجعة على موضوع الاستفتاء مثل زوجة جلال الطالباني “هيرو أحمد وآلا الطالباني وبافل الطالباني وبرهم صالح” الذي انشق عن الاتحاد الوطني قبيل الاستفتاء, كل ذلك أدى إلى أحداث شرخ في صفوف الاتحاد.

    كانت هذه الخلافات تعتبر بمثابة قنبلة موقوتة داخل الإقليم برمته, والأنكى من كل ذلك بأن حكومة الإقليم والقيادات الحزبية الأخرى كانت تعتبر تلك الخلافات بمثابة نصر لها بحيث لو استمرت هذه الخلافات سيؤدي إلى إضعاف الاتحاد الوطني وبأنه لا يشكل خطراً على رئاسة الإقليم, وهذا ما تم استغلاله من قبل المخابرات الإيرانية التي دفعت بالقيادي البارز “قاسم سليماني” قائد فيلق القدس إلى اللعب بهذا الوتر الحساس لخلافات الإقليم بُعيد عملية الاستفتاء مباشرة خاصة أن التحذيرات الإيرانية والتهديدات التركية العلنية بحصار الإقليم اقتصادياً وسياسياً والتدخل العسكري لم تجدي نفعاً بالتراجع عن الاستفتاء.

          أما بالنسبة لخلافات الإقليم مع المركز فإنها خلافات جديدة قديمة في نفس الوقت حيث يعتقد بأن السبب الرئيس لتلك الخلافات يكمن في أن ساسة الإقليم قد وضعوا بيضهم في سلة واحدة من مكونات العراق ألا وهم الشيعة، ولم يعيروا أي اهتمام  في جذب الطرف السني وانعكس ذلك سلباً على علاقات الإقليم مع المركز حيث شعر السنة بالغبن من الشيعة والكرد ولم يتدخلوا سلباً أو إيجاباً في الصراع الدائر بينهم خاصةً وأن الحدود الفاصلة بين الإقليم والمركز الذي يسيطر عليه الشيعة هي حدود سنية صرفة, والخطأ الكبير الذي وقعت فيها القيادات الكردية كان سنة 2003 حين تم إسقاط نظام صدام حسين وكانت الأطراف العراقية تمر بمرحلة صعبة وهزيلة في حين أن الكرد كانوا هم الطرف الأقوى في المعادلة العراقية، ومع ذلك لم ينتج من تلك الشراكة سوى دستور هزيل مليء بالثغرات القانونية والعبارات الفضفاضة التي تؤول إلى معاني عدة لم يضمن فيه حق الشعب الكردي بشكل صريح بل أن أغلب المناطق الكردستانية أصبحت تسمى مناطق متنازع عليها وهذه العبارة تحديداً استغلتها الحكومات العراقية المتعاقبة بعد عام 2003 وخاصة فيما يتعلق بالمادة 140 ومدينة كركوك فلم تنفذ تلك المادة بعد عام 2007 وتحججت الحكومة العراقية بأن تلك المادة سقطت بالتقادم وعلى إثرها حشدت القوات العراقية وميليشيات الحشد الشعبي وأعدت العدة بعد الاستفتاء مباشرة حيث رفعت من وتيرة تهديداتها للإقليم بأنه في حال لم يتم إلغاء نتائج الاستفتاء سوف يهاجموا المناطق المتنازع عليها, ونعتقد بأن الحكومة العراقية وميليشياتها الطائفية ومن خلفهم القوى الإقليمية المحتلة لكردستان كانت تبطن هذه النية وتنتظر فرصة سانحة للهجوم على الإقليم.

     يبدو أن المسؤولين في الإقليم قد أخطأوا في حساباتهم بالاعتماد الكلي على الأطراف الدولية الفاعلة في الأزمة العراقية واعتمادهم على تصريحات إعلامية للاستهلاك المحلي من بعض الأطراف الدولية وليس على ضمانات دولية مكتوبة. حيث صرح المسؤولون الأوربيون و الأمريكيون بدءاً من وزير الخارجية وصولاً إلى الرئيس “ترامب” بأنهم ليسوا مع توقيت الاستفتاء ولم تؤخذ هذه التصريحات على محمل الجد من قبل قيادة الإقليم. وفي ليلة الخامس عشر من تشرين الأول تم بدء الهجوم على كركوك بعد انسحاب قوات البيشمركة من الخطوط الأمامية ودخول القوات العراقية وميليشيا الحشد الشعبي إلى مدينة كركوك بدون مقاومة تذكر من قبل القوات الكردية من كلا الأطراف الكردية المحسوبة على الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي الكردستاني نتيجة مؤامرة حيكت على يد الاستخبارات الإيرانية ما شجع الحكومة العراقية ومن خلفها الحشد الشعبي بتهديد كافة المناطق المتنازع عليها وبنتيجة ذلك انسحبت البيشمركة من المناطق التي انتزعوها من قبضة ميليشيات داعش بدم الشهداء من قوات البيشمركة, ويبدو أن قرار الانسحاب لم يكن في أيدي قيادات البيشمركة والتي صرحت في أكثر من مرة بأنها مستعدة للدفاع عن الإقليم والمناطق التي حُررت بدمائهم إلى آخر قطرة دم فيهم, ولكن من المؤسف أن القيادات السياسية هي التي اتخذت قرار الانسحاب حيث جردت القيادة العسكرية للبيشمركة من مهامها بسبب الخلافات السياسية الحزبية الضيقة  وعلى إثر ذلك استغلت الحكومة العراقية الخلافات التي تفاقمت في الآونة الأخيرة بين الأحزاب الكردية وباتت تتدخل حتى في صميم الأزمة السياسية في إقليم كردستان حيث أنها باتت تُروِّج بين الفينة والأخرى بأن الإقليم سوف ينقسم إلى إقليمين وأنها ستتعامل سياسياً معهم وفق هذا المنظور.

    من جهة أخرى باتت تهدد بالآلة العسكرية للسيطرة على المعابر الحدودية لإقليم كردستان بالتنسيق مع الحكومة التركية, حيث تسعى الحكومة العراقية من خلال هذا التوجه إلى حصار الإقليم سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وستمارس الضغوط بشكل مستمر طالما الأجواء الإقليمية والدولية مؤاتية لذلك وستحاول تجريد الكرد من كل مكتسباتهم التي حصلوا عليها بالدم, أما تركيا فتُعتبر الرابح الأكبر من تلك الأزمة كون وقوع تلك المعابر في أيدي الحكومة العراقية يعني قطع التواصل بين الإقليم وأجزاء كردستان (باكور وروجافا كردستان).

     ومما سبق نجد بأن آثار تلك الانتكاسة في إقليم “باشور كردستان” قد ألقت بظلالها على باقي أجزاء كردستان كونها شجعت الدول الإقليمية المحتلة لكردستان بوضع خلافاتها جانباً وإبرام اتفاقات مرحلية ضد القضية في أي جزء, خاصة وأنهم نجحوا في تطويق أزمة استفتاء كردستان والعودة بالكرد إلى المربع الأول, من هنا نجد بأنه يجب على الأطراف الكردستانية وضع خلافاتها الحزبية جانباً والتركيز على القضية المحورية وهي أن إلحاق الضرر بأي جزء من كردستان فأنه يعتبر بمثابة ضربة للقضية الكردية في الأجزاء الأخرى ويجب بذل المزيد من الجهد لمساعدة الإقليم في إخراجه من محنته تلك، ويجب أيضاً على حكومة الإقليم العمل على حل خلافاتها ومشاكلها السياسية مبتعدة عن مصالح الدول الإقليمية التي كانت سبباً رئيساً في الأزمة وعن مصالحها الحزبية الضيقة, والتواصل مع العمق الكردستاني والعمل على عقد المؤتمر الوطني الكردستاني الذي تدعو له منظومة المجتمع الكردستاني لتأسيس قيادة سياسية وعسكرية موحدة لأن ذلك سيكون بمثابة مخرج من الأزمة, وحماية كل مكتسبات الكرد في كافة أجزاء كردستان.

ولعل خير مخرج للقضية الكردية هو العودة الى عمق التاريخ والاستفادة من وصية المناضل الشهيد الراحل “قاضي محمد” قبل إعدامه.

هل يدرك ترامب أن إستراتيجيته الجديدة في إيران يمكن أن تفشل فشلا ذريعا في سوريا؟

بدون خطة لمواجهة المصالح الإيرانية والروسية شرق سوريا، ستضع إدراة ترامب نفسها في موقف محرج جدا مع الشرق الأوسط

 رسالة إلى الرئيس ترامب: إن الاستراتيجية الجديدة التي أعلنت عنها في الأسابيع الثلاثة الماضية معلقة بخيط رفيع. وسيقرَر مصيرها في الأشهر القليلة القادمة على الحدود السورية-العراقية، فإذا كنت جاداً بخصوص التصدي للعدوان الإيراني، عليك أن تتحرك بسرعة إلى ساحة المعركة لصد هذا الزحف، الذي يمثل نقطة البداية للصراع الذي يدور في المنطقة من أجل الأولوية الاستراتيجية. فإن لم تقُم بذلك واكتفيت بالمراقبة – في الوقت الذي يقوم فيه الحرس الثوري الإيراني بتثبيت هيمنته السياسية والاقتصادية والعسكرية في الشرق الأوسط على الخط الشمالي بأكمله، سيسمح له بإنشاء معبر بري يمتد من طهران إلى البحر الأبيض المتوسط دون عوائق- فإن هذه الاستراتيجية ستصبح عقيمة ضد إيران، وسيكون مصيرها مزبلة التاريخ بعد أشهر قليلة من الكشف عنها.

قد يكون هذا الكلام قاسياً. لكن ليس من الواضح بتاتاً إذا ما كان ترامب على معرفة بالخسائر التي قد تتكبدها الولايات المتحدة في شرق سوريا أو بمدى تسارع الأحداث هناك.  حيث يتم طرد تنظيم الدولة من معاقله الأخيرة بشكل سريع في محافظة دير الزور التي تقع على الحدود العراقية.  كما يسعى الحرس الثوري الإيراني جنبا إلى جنب مع النظام والقوات الجوية الروسية وعدد من المليشيات الشيعية التابعة إلى إيران (بمن فيهم مليشيا حزب الله اللبناني)، لفرض سيطرتهم على كامل المناطق التي يخرج منها تنظيم الدولة. ومع تأمين ذلك الطريق، سيصبح هدف إيران الاستراتيجي بتشكيل ممر بري يمتد عبر العراق وسوريا ولبنان واقعا يحميه داعمون أقوياء لإيران في كل من بغداد ودمشق وبيروت. كما ستعزَز قدرة إيران على فرض قوتها على نهر الفرات ويزيد من قدرتها على المدى البعيد لتشكل تهديد على حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين في كل من إسرائيل والأردن  وغيرهما.

 وتبقى قوات التحالف الذي تدعمه أمريكا والمكون من الأكراد السوريين والعرب، المعروفة باسم “قوات سوريا الديموقراطية” العائق الوحيد أمام تحقيق المطامع الإيرانية بالكامل.

قامت “قسد” بدعم من القوات الأمريكية الجوية والقوات الخاصة بطرد تنظيم الدولة من عاصمتها المزعومة الرقة، واستمرت بشن هجمات على معاقلها المتبقّية في الجهة الشرقية لنهر الفرات في محافظة دير الزور، على مقربة من التحالف الذي يضم كلا من إيران وسوريا وروسيا والذي يحارب هو الآخر تنظيم الدولة على الجهة الغربية للنهر.

بغض النظر عن النزاع الأمريكي-الروسي في الوقت الحالي،

سعى التحالفان إلى تأمين الأراضي الرئيسية قبل تقدمهما نحو الحدود السورية-العراقية والأراضي التي تخضع لسيطرة تنظيم الدولة، وعلى الخصوص باتجاه مدينة البوكمال التي تعد مدينة استراتيجية ويقع ضمنها طرق رئيسية للعبور ونقطة تفتيش تربط سوريا بالعراق.

ويبقى السؤال المحير دون إجابة حول سياسة ترامب في دعم الولايات المتحدة العسكري لـ “قسد”، هل يهدف هذا الدعم العسكري إلى هزيمة تنظيم الدولة فقط أم إن له هدفا أشمل يندرج ضمن استراتيجية ترامب الجديدة التي تهدف إلى التصدي إلى قوة إيران المتزايدة في المنطقة. فإذا كان الهدف هزيمة تنظيم الدولة فقط، فبعد القيام بذلك، سينتهي دور أمريكا في سوريا وستقوم بسحب قواتها من هناك معلنة “انتهاء مهمتها”- وتتخلى بذلك عن قسد لتواجه وحدها التسونامي الإيراني-السوري-الروسي،

وهذا بطبيعة الحال ما تراهن عليه كل من إيران وحلفائها. فهم مقتنعون أنه على الرغم من الكلام الحازم والتهديدات التي تتعرض لها، إلا أن إدارة ترامب لا تملك الجرأة لتمديد عملياتها في سوريا.

بشكل مختصر ومنفصل: لم تؤد الأحداث الأخيرة على الحدود العراقية الكردستانية سوى لتضخيم التواجد الإيراني. فبغض النظر عما يجول في أذهاننا عن أسباب النزاع بين الحكومة العراقية ومنطقة كردستان -التي جاءت على أثر التوقيت غير الموفق لاستفتاء الاستقلال الأخير- فإن التصور الشائع الآن هو أن الولايات المتحدة قد تخلت عن أفضل وأكثر حلفائها ولاء، وتعرض هذا الحليف للإهانة، وأُخضع من قبل الجيش العراقي بالتواطئ مع الميليشيات الشيعية وقادتهم في الحرس الثوري الإيراني. وفي غضون أيام فقط، انهار المشروع الكردي الذي تدعمه الولايات المتحدة في العراق على مرأى من واشنطن، بعد أن تطلب أكثر من جيل لبنائه.

لابد من القول إنه خلال 100 ساعة أو أكثر من إعلان الرئيس ترامب للعالم أنه يعمل مع شركاء وحلفاء دائمين لوقف التهديد المتزايد للعدوان الإقليمي الإيراني، أصبح هذا الإعلان الآن محور الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. وبالتأكيد، لا يعد هذا مؤشرا جيدا، لأن العراق وسوريا ملفان منفصلان، ولكل بلد عوامله وتعقيداته الخاصة.

إذا ما قرر ترامب أن خطط الهيمنة الإيرانية يجب أن تحبط شرق سوريا، فلا يزال قادرا على القيام بذلك. ومع الدعم الجوي للولايات المتحدة والقوات الخاصة، ستبقى “قسد” قوة قتالية كبيرة، كما سيبقى عشرات الآلاف من مقاتليها السنة العرب عنصرا مهما وعلى وجه التحديد في دير الزور ذات الغالبية السنية. ومن هذا المنظور، لدى قوات التحالف الذي تقوده أمريكا- عكس القوات الموالية لإيران- فإن كل المقومات ستقرر إذا ما كانت ستنتزع البوكمال والحدود العراقية السورية من تنظيم الدولة. يمكن للولايات المتحدة أن تؤكد لحلفائها بـ”قسد” أنها لن تسحب قواتها من سوريا بعد القضاء على تنظيم الدولة، وستقوم بتقديم الدعم لهم من أجل الحفاظ على موقعها الاستراتيجي والأراضي التي حررتها، حتى في ظل التهديد والمخاطر والهجمات من النظام وداعميه.

يجب أن يكون هدف الولايات المتحدة تحصيل المزيد من النفوذ قدر المستطاع والتطلع إلى التفاوض في نهاية المطاف حول مستقبل سوريا.

إذا كانت “قسد” قادرة على السيطرة على البوكمال، فإن المكاسب التي جناها التحالف حتى الآن كبيرة، ولا يجب أن تذهب هباءا. ومن بين أهم هذه المكاسب: المساحات الشاسعة شمال وشرق سوريا وكذلك العديد من مشاريع البنية التحتية المهمة التي تعد أساسية لمستقبل سوريا الاقتصادي، والتي تتضمن أكبر حقول النفط والغاز في دير الزور، أضف إلى ذلك أكبر السدود ومحطات الطاقة الكهربائية. وأخيرا، لدى الولايات المتحدة وشركائها في كل من أوروبا والخليج العربي مفاتيح لعشرات مليارات الدولارات من المساعدات الدولية التي تحتاجها سوريا لتعويض الدمار الذي خلفته الحرب، وهي فاتورة لن تستطيع دفعها كل من إيران وروسيا،ولن تقبلا بذلك.

وفي ظل وجود أوراق كهذه، ستتمكن واشنطن وحلفاؤها على الأقل من المطالبة بمراعاة المصالح الأمريكية في أي حل سياسي بسوريا،ما يشير إلى وجود خطة تقضي في نهاية المطاف إلى عزل الأسد من السلطة،وضمان الحقوق الأساسية للأقليات وعلى وجه التحديد الكرد كالحقوق السياسية والاجتماعية، والأهم من ذلك، منع أي وجود عسكري لإيران ومليشياتها الشيعية في سوريا، وهو ما قد يشعل فتيل حرب إسرائيلية-إيرانية، وباختصار، سيمنع هذا وجود جسر بري إيراني على البحر المتوسط.

لن يكون شيء مما ذكر سهل التحقيق، فكلها خيارات تنطوي على مخاطر وتكاليف كثيرة، لكنها ستتماشى بشكل كبير مع الاستراتيجية الجديدة التي تم إعلانها للعالم بكل جرأة والتي تفيد بأن الأيام التي كانت تقف فيها أمريكا مكتوفة الأيدي في وجه تزايد العدوان الإيراني في المنطقة قد ذهبت.

على الرئيس ترامب أن يعلم في أقرب وقت ممكن أنه: ستتمكن أن تعلن الحرب على الحرس الثوري الإيراني في تشرين الأول/أكتوبر الماضي لتتجاهل دوره فيما بعد على المحور الشمالي للشرق الأوسط في تشرين الثاني/نوفمبر الحالي.  سيدي الرئيس: دون وجود سياسة حازمة تتصدى للمد الإيراني في العراق وسوريا، فإنك لا تملك استراتيجية جادة للتغلب على التهديد الإيراني لمصالح الولايات المتحدة. فسياسة الحزم الجديدة التي أعلنتها ضد إيران الشهر الماضي لا تكاد تصبح إلا مجرد كلام وتهديدات لا أساس لها، فعندما يتعلق الأمر بقادة الحرس الثوري الإيراني يصبح الأمر غاية في الخطورة بالنسبة لأمريكا والشرق

الأوسط والعالم أجمع

foreignpolicy مترجمة من

https://l.facebook.com/l.php?u=https%3A%2F%2Fforeignpolicy.com%2F2017%2F11%2F08%2Fdoes-trump-realize-that-his-new-iran-strategy-could-suffer-a-fatal-blow-in-syria%2F&h=ATMNSv0x_zmkuhwqin9GEQkP-yFs9rweCKWu9xXp49-jojfsOQYDPk6ojJ9zriF6zLI47DVXNdh2IojIIB5Ck_9LWojkU8oivN5j_PezHmm8frE5q63LstDLHo3xmHtBlADutLwAKvFN

لبنان .. والشتاء الساخن

 

     أعادت استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري إلى الواجهة مجدداً الخلافات السياسية العميقة في لبنان بين التيارات الرئيسة (حزب الله وتيار المستقبل)، ومن وراءها عدد من القوى الإقليمية مثل إيران والسعودية والنظام السوري، والتدخلات الدولية في الشأن اللبناني من قبل فرنسا والولايات المتحدة.

    سعد الحريري الذي أعلن استقالته في خطاب متلفز من العاصمة السعودية، في مخالفة واضحة للدستور اللبناني والبرتوكولات الرسمية المعمول بها، القاضية بتقديم الاستقالة شخصياً إلى رئيس الجمهورية، وبرر أن سبب الاستقالة هو خوفه على أمنه الشخصي وتدخلات حزب الله في أدق تفاصيل الحياة السياسية حيث استطاع فرض أمر واقع في لبنان بقوة السلاح، وتسببه بمشكلات للبنان مع محيطه العربي، وتشكيله تهديداً على أمن المنطقة، من خلال استخدام سلاحه ضد اللبنانيين والسوريين، وأن الأجواء السائدة في لبنان حالياً شبيهة بالوضع قبيل اغتيال والده “رفيق الحريري”، مع التأكيد على رفض وجود أي سلاح خارج السلطة الشرعية للدولة اللبنانية، إضافة إلى إدانته للتدخلات الإيرانية السافرة في شؤون المنطقة، معتبراً أن إيران لديها رغبةً جامحة في تدمير العالم العربي، مشدداً على أن “أيدي إيران في المنطقة ستُقطع”، وأن الشر الذي ترسله إيران إلى المنطقة سيرتد عليها

     ظهور الحريري عبر وسيلة إعلامية مرتبطة بالسعودية ومن عاصمتها الرياض بالتزامن مع حملة إعلامية تشنها السعودية ضد ما تسميها “التدخلات الإيرانية” في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، أكد رضوخه التام للتوجيهات والإملاءات السعودية وخاصة في ظل استمرار تعقيدات الوضع السياسي اللبناني وسيطرة حزب الله فعلياً على مفاصل الحكم واتخاذه قرارات منفردة بعيدة عن المواقف السياسية المعلنة للدولة اللبنانية من قبيل اشتراكه علناً إلى جانب النظام السوري في قمع الفصائل المسلحة المعارضة على الرغم من اتباع لبنان سياسة النأي بالنفس عن المشهد السوري منذ بداية الأزمة السورية، إضافة إلى الدعم العسكري من جانب حزب الله لجماعة الحوثي في اليمن، والتي وصل بها الأمر إلى ضرب العاصمة السعودية بصواريخ باليستية إيرانية الصنع

     وبدون شك فإن افتعال أزمة سياسية في لبنان ليس إلا محاولة سعودية للرد على التمدد الإيراني في المنطقة، ونجاحها إلى حد كبير في الهيمنة على القرار السياسي في العراق وسورية وصولاً إلى لبنان، ومع إدراك الرياض صعوبة إيجاد موطئ قدم لها في كل من العراق أو سورية في ظل السيطرة الإيرانية، عملت على الدخول عبر البوابة اللبنانية التي تشهد تناحراً سياسياً متزايداً منذ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005، حيث تسعى السعودية حسب العديد من المراقبين إلى خلخلة الوضع الأمني الداخلي في لبنان، والتمهيد لتنفيذ عمليات مسلحة ضد المراكز الحيوية في لبنان عبر الموالين لها من الأجانب واللبنانيين، واتهام حزب الله بالمسؤولية عن تدهور الحالة الأمنية وزعزعة الأمن والاستقرار في لبنان تمهيداً لشن حملة عسكرية ضده من قبل إسرائيل التي تزايدت مؤخراً حدة تهديداتها بضرب حزب الله والقضاء على قوته العسكرية في لبنان، وخاصة مع تحقيق الحزب عدة انتصارات ضد الفصائل المسلحة المعارضة للنظام السوري واقتراب حزب الله من الحدود السورية مع إسرائيل، وقد بدت ملامح الحرب القادمة بسحب السعودية ومعظم الدول الخليجية رعاياها من لبنان ومنع السفر إليه

     من الجانب الإيراني رفضت طهران بشكل قطعي الاتهامات التي أطلقها الحريري ضدها خلال إعلان استقالته، مؤكدة أن استقالة الحريري ليست سوى لعبة سعودية لأهداف سياسية لا علاقة لها بلبنان أو حزب الله، حيث تسعى السعودية (حسب وجهة النظر الإيرانية) إلى إشغال الرأي العام السعودي عن المشاكل الداخلية في المملكة بعد موجة الاعتقالات التي طالت عدداً من الأمراء السعوديين البارزين على خلفية تُهم بالفساد، فيما تعتبره إيران تمهيداً للطريق أمام ولي العهد محمد بن سلمان للتخلص من أي معارضة ممكنة لحكمه المطلق القادم في السعودية، كما اعتبرت طهران أن السعودية اختطفت الحريري وأرادت من خلاله اتهام إيران بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية خدمة لمصالح إسرائيل وإضعاف حركات المقاومة ضدها

     وفي ظل هذه الأجواء المشحونة ظهرت تقارير إعلامية تفيد بمحاولات من جانب السعودية لاستبدال سعد الحريري بشقيقه “بهاء” الذي يتمتع بعلاقات قوية مع السعودية والإمارات (رغم ابتعاده عن العمل السياسي)، وطرح اسمه لتسلم منصب رئيس الوزراء وزعامة تيار المستقبل الذي يعتبر الممثل للسُّنة في لبنان، وهو الأمر الذي رفضته أسرة الحريري رفضاً قاطعاً وأصرت على عودة سعد الحريري إلى لبنان، وترتيب البيت الداخلي منعاً لحدوث أي شرخ لا يخدم مصالح العائلة ولا مصلحة اللبنانيين، في حين أكد الحريري من جهته في لقاء متلفز (قاطعته أغلب القنوات التلفزيونية اللبنانية)، أنه سيعود إلى لبنان بأقرب وقت ممكن ويقدم استقالته بشكل رسمي لرئيس الجمهورية وفقاً للدستور اللبناني، مشيراً إلى إمكانية تراجعه عن الاستقالة بموجب شروط وُصفت “بالتعجيزية” أهمها التزام حزب الله بالسياسة اللبنانية واحترام سياسة النأي بالنفس وانسحابه من سورية ونزع سلاحه، ووقف التدخل الإيراني في الشؤون اللبنانية عبر حزب الله، وعدم زيارة مسؤولين لبنانيين من حزب الله وحركة أمل إلى سورية، ما يسهم بمنح نوع من الشرعية إلى النظام السوري

     في الداخل اللبناني شكلت استقالة سعد الحريري مفاجأة مدوية في الأوساط السياسية، وأشارت بعض الجهات إلى وجود الحريري رهن “الإقامة الجبرية” في الرياض، بينما رفض الرئيس اللبناني ميشال عون قبول الاستقالة حتى عودة الحريري إلى لبنان، وندد في بيان صادر عن الرئاسة اللبنانية “بالظروف الغامضة والملتبسة التي يعيش فيها رئيس الوزراء سعد الحريري في الرياض”، واعتبر أن هذه الظروف وصلت إلى درجة الحد من حرية الرئيس الحريري، وفرض شروط على إقامته وعلى التواصل معه حتى من جانب أفراد عائلته، في حين توجه البطريرك الماروني اللبناني “مار بشارة بطرس الراعي” إلى الرياض في أول زيارة لبطريرك ماروني إلى السعودية، وهي زيارة مقررة مسبقاً وذلك بهدف حل هذه الأزمة السياسية، والتأكيد على سياسة النأي بالنفس عن الصراعات في المنطقة وعدم دخول لبنان في سياسة المحاور، وقد حاولت السعودية مغازلة المسيحيين في لبنان عبر السماح بإنشاء أول كنيسة في السعودية

     إسرائيل بدورها سارعت إلى استغلال هذه التطورات في سبيل التركيز على الخطر الذي يشكله حزب الله على أمنها وعلى لبنان والمنطقة، والتأكيد على خطورة السياسات الإيرانية “الداعمة للإرهاب”، وعبرت على لسان وزير الدفاع “أفيغدور ليبرمان” عن أنها لن تسمح لمحور إيران بتعزيز قوته على حدودها الشمالية، مع التأكيد على أن الجيش الإسرائيلي مستعد لمواجهة حلف إيران، وأن كل من حزب الله وإيران يسيطران بشكل كامل على لبنان، وأن استقالة الحريري تثبت ذلك، مع الإشارة إلى تزايد القلق من تعاظم قوة محور إيران وحزب الله والذي يعمل من داخل سورية ولبنان، كما فرض هذا المحور سيطرته على قطاع غزة، وتطورت علاقاته مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى درجة غير مسبوقة

     أبرز المواقف الغربية من استقالة الحريري جاءت من فرنسا التي تربطها علاقات تاريخية خاصة مع لبنان، حيث أكدت على ضرورة احتواء الموقف ودعوة الساسة اللبنانيين للعمل على التوصل إلى حل للأزمة، والتأكيد على أن من مصلحة الجميع ألا يدخل لبنان في مرحلة من عدم الاستقرار، وهددت بالذهاب إلى مجلس الأمن في حال عدم عودة الحريري إلى بلاده، وكان الرئيس ماكرون قد توجه إلى الرياض من أبو ظبي وقابل ولي العهد السعودي لحلحلة الأزمة اللبنانية لكنه فشل في لقاء رئيس الوزراء المستقيل سعد الحريري، بينما أكدت بريطانيا دعمها للبنان ودعت إلى عودة سعد الحريري إلى بيروت دون أي تأخير، واحترام استقلال لبنان وعدم استخدامه كأداة لصراعاتٍ بالوكالة، في حين عبرت موسكو عن قلقها من تطورات الأوضاع في لبنان، والتأكيد على الدعم الثابت لسيادة لبنان ووحدة أراضيه، وضرورة حل الخلافات الداخلية من قبل اللبنانيين أنفسهم ودون أية تدخلات خارجية، أما عن الموقف الأمريكي فقد اكتفت واشنطن بعقد لقاء بين السفير الأمريكي في السعودية والرئيس سعد الحريري، ولم تتسرب أية معلومات عن فحوى هذا اللقاء، ولا نستبعد أن تكون السعودية قد حصلت على الضوء الأخضر من الولايات المتحدة في عملية “احتجاز” الحريري ودفعه إلى الاستقالة، في حين نفى وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون خلال لقائه نظيره السعودي عادل الجبير في الرياض وجود سعد الحريري تحت الإقامة الجبرية أو احتجازه في السعودية، وقال إن واشنطن تراقب الموقف بعناية شديدة، وأنها تدعم حكومة لبنان الشرعية وتؤيد بقوة استقلال لبنان، وتطالب الأطراف الخارجية الأخرى بعدم التدخل فيه، مشدداً أن الحريري إذا أراد الاستقالة فعلياً فعليه العودة إلى لبنان لجعل الاستقالة رسمية، وذلك حتى تتمكن الحكومة اللبنانية من أداء مهامها كما ينبغي، وكان الملفت تحذيره الدول والجماعات من اتخاذ لبنان أداة لشن حرب أخرى أكبر بالوكالة في منطقة الشرق الأوسط

     ورغم التأكيدات التي ساقها الرئيس سعد الحريري بشأن عودته إلى لبنان إلا الرئيس عون اختار التصعيد وأدان احتجاز الحريري واعتبره عملاً عدائياً من جانب السعودية ضد لبنان، وأوفد وزير خارجيته إلى الدول الأوروبية لشن حملة ضد السعودية وإرغامها على السماح للحريري بالعودة إلى لبنان، كما صرح وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل إنه في حال عدم عودة الحريري في ظرف أسبوع إلى لبنان “فإننا سنلجأ إلى الأمم المتحدة لاتخاذ الإجراءات اللازمة وفق الطرق القانونية”, وخلاصة القول: سواء عاد الحريري أم لم يعُد فإن الوضع اللبناني الهش ينذر بأزمة فعلية سواء سياسية، عبر التصادم بين تيار المستقبل وحلفائه وتيار حزب الله وحلفائه ومن خلفهم الرئيس عون، رغم تأكيد الأخير بأن ما طرحه الحريري من مطالب قابلة للتفاوض، ومن الجانب العسكري لازالت إسرائيل متربصة بحزب الله وقد تشن أي مغامرة ضده الهدف منها القضاء على قوته العسكرية وخاصةً في ظل انشغال مقاتلي حزب الله بالقتال إلى جانب النظام السوري، ونعتقد أن حزب الله قد فقد ميزته الأساسية في حرب العصابات بعد خوضه الحرب في سورية ومساندة الطيران الروسي له، وأن عزيمة مقاتليه قد هبطت بعد أن حقق انتصارات وهمية في سورية وخسائر جسيمة في الأرواح كونها تحققت بفضل الاستعانة بالطيران الروسي، وبالتالي فإن أي حرب مع إسرائيل لن تكون في مصلحته كون الحرب القادمة ستكون حرباً بين طرف منهك القوى استنفذ أغلب طاقاته البشرية في الحرب السورية وبدون أي مساندة جوية، وبين طرف آخر قوي ينتظر الفرصة السانحة للانقضاض على خصمه، وكل الدلائل تشير إلى تفوق إسرائيل على الحزب في هكذا حروب، والمثير في الأمر أن أغلب الحروب التي خاضتها إسرائيل ضد لبنان ودول المنطقة كانت في فصل الصيف، إلا أن إسرائيل في حال قيامها بحرب جديدة قريباً تكون قد كسرت القاعدة وبالتالي سيشهد لبنان شتاءً ساخناً

     فرع الحسكة – قسم التحليل

عفرين بوصلة صراع شمال سوريا

إن تحول إقليم عفرين في شمال غربي سوريا لمنطقة تراهن عليها القوى الإقليمية والدولية الفاعلة ضمن المشهد السوري، ما هي إلا مؤشر على أنها -عفرين -منطقة لها مكانة هامة واستراتيجية تؤثر بشكل لا يستهان به على مسار الفاعلية التي تدار الآن في العمق السوري وخاصة مع اقتراب نهاية داعش.

هذه المكانة الهامة تُقرأ حالياً من خلال التهديدات التركية، والضغوطات الروسية غير المباشرة، ومحاولات النظام لإعادة تعويم نفسه، في وجه واقع ما تم احقاقه في إقليم عفرين إدارياً وعسكرياً التي هي ركيزة أساسية لفدرالية شمال سوريا، كونها غير مرتبطة بالسياسات التي تحيكها هذه الأطراف.

فتلويح تركيا باجتياح عفرين يأتي في سياق توجيه ضربة للمشروع الكردي في الشمال السوري تحقيقاً لمخططها القديم الجديد للقضاء على الكرد هذه المرة، من خلال احتلالها العسكري لإدلب، لتلتقي وتتقاطع مع الضغوطات الروسية النابعة من تفاهماتها مع الضامنين ضمن مسار اتفاق استانة، وليس بعيداً عنها محاولات النظام لاحتواء المشروع الذي ينادي به الكرد في غربي الفرات، ما يضعنا أمام تصور أن الشمال الغربي لسوريا يشكل صلب الصراع بحيث ستكون نتائجه المحدد لصياغة شكل تسوية الأزمة السورية.

 وبالرغم الاتفاق ضمن مسار استانة إلا أن المنطقة الشمالية الغربية مليئة بالتضاربات السياسية ومكتظة بالقوى العسكرية المختلفة، تتنافس فيها قوى محلية ودولية وإقليمية بحيث يكتنف هذا التنافس حسابات متداخلة، حيث لكل قوى (إيران وتركيا وروسيا) أهداف وغايات مختلفة ومتناقضة.

وفي خضم الوقائع الجارية يمكننا قراءة الآلية التي تتعامل بها روسيا مع القوى المتواجدة في إقليم عفرين ومحيطه، فهي تريد الضغط على الكرد بالوعيد التركي لكسبهم بما يخدم الفاعلية السياسية التي تعمل على ترسيخها بما يعزز مكانتها في العمق السوري، وفي الجهة المقابلة تريد روسيا الاستفادة من تواجد  الكرد كقوة لها ثقلها السياسي والعسكري والتي اثبتت وجودها للضغط على تركيا لتصفية الفصائل المسلحة أو تدجينها في أسوء الأحوال، أما رغبتها في إيجاد توافقات ونقاط لتقريب الأطراف المحلية، جعلتها تدفع بالنظام السوري للتلويح بأنه يريد التحاور مع الكرد بشأن حصولهم على منطقة حكم ذاتي، لاستكمال الفاعلية التي تريد إدخال الكرد فيها.

وفي ضوء المعطيات الراهنة المحاطة بعفرين يمكننا التطرق للاحتمالات التالية:

  • إن احتمالية شن تركيا هجوماً على إقليم عفرين الذي لم يتخطى إطار التصعيد والوعيد الإعلامي حتى اللحظة، مرتبطة بسياسة القوى الدولية المعنية بالأزمة السورية في المنطقة، وبالتالي في حال خاضت تركيا عملية عسكرية فهي لن تفعل ذلك إلا بموافقة دولية، وكما أن الرادع الأساسي الذي يحول دون شن تركيا لهجماتها هو أنها ستكون أمام حرب مفتوحة مع القوات الكردية في الداخل التركي وعلى امتداد حدودها مع شمال سوريا، وأيضاً لكون عفرين تمتلك جغرافية دفاعية وقوات متمرسة لها رصيد مسبق في مواجهة مثل هذه التهديدات.
  • أن تتجه روسيا إلى قوات سوريا الديمقراطية في حال عرقلت تركيا الهيكلية المتفق عليها ضمن مسار استانة بصدد إدلب، والتحركات الأخيرة لتركيا في إدلب بصدد إنشائها قواعد عسكرية تشير إلى ذلك، وهذا من شأنه إثارة الشكوك والقلق لدى الجانب الروسي، ومن ناحية أخرى روسيا تعي بأبعاد العملية العسكرية التركية ضد عفرين لأن الهدف التركي يتعداها –عفرين- إلى الريف الشمالي لحلب بل ومدينة حلب نفسها، وذلك بسبب أهمية تلك المنطقة التي تكمن في صلب حسابات الأمن القومي التركي، وهذا لا يحظى بأي تأييد لدى روسيا وخاصة أنها ركزت على الريف الشمالي لحلب أثناء إخراج المسلحين منها.
  • تبقى إمكانية ربط الأقاليم ببعضها قائمة كهدف استراتيجي معلن لقوات سوريا الديمقراطية وسقفها السياسي مسد، بعد أن تم الانتهاء من تنظيم الدولة في معاقلها الرئيسية في الرقة ودير الزور، وخاصة إن ارتكبت تركيا حماقات باستهداف عفرين نتيجة لعدم تحملها للتفاهمات الدولية الحاصلة بين روسيا وأمريكا، وإدراكاً منها بأن الأمور باتت تخرج عن سيطرتها.
  • إن النظام السوري وفي إطار سعيه مع إيران وروسيا لتحقيق هدفها في السيطرة على الجغرافية السورية وإعادة السيادة المركزية، يريد تقويض فيدرالية شمال سوريا وذلك بإطلاقه لتصريحات حول منح الحكم الذاتي للكرد، وهذه المحاولات باءت بالفشل نتيجة رفض الكرد لها بهذه الصياغة، ما يعزز من احتمالية ممارسة الضغط السياسي عن طريق روسيا والعسكري عبر الميليشيات الإيرانية على إقليم عفرين، كون الأخيرة معزولة جغرافياً عن الأقاليم الأخرى.

وتجدر هنا الإشارة إلى قوة الآلية السياسية والعسكرية لفدرالية شمال سوريا في التأثير على الحسابات وموازين القوى وكيفية التعامل مع مألات الظروف المرحلية، فهي تمتلك قوة عسكرية أثبتت جدارتها في التصدي للهجمات تركية الاحتلالية ومحاربة أعتى قوة إرهابية، كما أنها صاحبة باع طويل في إدراك وتغيير سياساتها للتعامل مع المتغيرات الدولية والإقليمية، وهي قوة تتوقف عندها الأطراف الدولية عند رسم خططها في المنطقة.

خلاصة القول يمكننا أن نستنتج بان المنطقة الغربية لنهر الفرات أصبحت محل تقاسم وخريطة نفوذ بين القوى الإقليمية والدولية وبموافقة ضمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية، إلا إن مصير إقليم عفرين ومألات وضعه ليس بالضرورة أن تحدده مؤتمرات كُثر انعقادها بلا جدوى، ولا تهديدات فُرغت من فحواها، ولا تفاهمات مرحلية لأن عفرين من أقاليم فدرالية الشمال السوري ولديها أوراق سياسية وعسكرية لها كلمة لا يمكن تجاوزها.

منذر محمد- نوروز رشو

إشكالية المعابر إلى أين..؟

مشكلة المعابر التي تفجرت على خلفية الأزمة الأخيرة بين الحكومة العراقية وإقليم كردستان، والتي هي بالأساس مواقف متوافقة للدول المعادية للقضية الكردية من تركيا وإيران، إلى جانب سياسة واشنطن التي ترى بأن التصعيد جزء مهم من سياساتها، كي تستفرد في التوسط بين الأطراف وتضع حلولاً تناسب استراتيجيتها

حتى ندرك أهمية هذه الاشكاليات السياسية والعسكرية لابد أن نتعرف ولو نسبياً على أهمية هذه المعابر التي تربط الدول المحتلة لكردستان، فهذه المعابر تغذي الإقليم من الناحية الاقتصادية بمليارات الدولارات سنوياً، في ذات السياق تبقى هذه المعابر كنقاط أمنية وحدودية بين الدول الاقليمية لجنوب وغرب كردستان، لا يخفى على أحد  بأن هذه التداخلات و الأعمال العسكرية الأخيرة بين هولير وبغداد ليست وليدة الصدفة، بل إجراء منظم ومخطط له يراد به كسر إرادة الشعب الكردي في جنوب كردستان بإلغاء مشروع الاستفتاء على الاستقلال في إقليم كردستان. فبحسب المادة (114) من الدستور العراقي والتي أقرت بأن إدارة الجمارك تكون بشكل مشترك، ولكن المادة (115) من نفس الدستور تقر بأنه في حال حدوث خلاف بين بغداد وهولير، فإن الإقليم هو من يقوم بإدارة الجمارك. ومن هذا المنطلق يكون الهجوم الأخير للجيش العراقي والحشد الشعبي على إقليم كردستان هو خرق للدستور العراقي

فبعد استفتاء اقليم كردستان على الاستقلال وتداعياته على الداخل ومع الدول المجاورة المحتلة لجغرافية كردستان، برز عداء كبير من قبل تلك الدول (تركيا- إيران ) والحكومة المركزية العراقية لمشروع الاستفتاء هذا، والذي أدى بدوره إلى توافقات بين هذه الدول من الناحية السياسية والاقتصادية والعسكرية بهدف إجهاض هذا الاستفتاء. حيث قامت القوات العراقية وبمساندة الحشد الشعبي الشيعي وبموافقة تركية إيرانية بالسيطرة على مدينة كركوك وبالتالي جميع المناطق المتنازع عليها بين حكومة الإقليم والحكومة العراقية، وأيضاً محاولة السيطرة على المنافذ والمعابر الحدودية التي تربط الإقليم مع تركيا وإيران، بهدف تضييق الخناق والحصار الاقتصادي على إقليم كردستان. بالتوازي مع هذه المعطيات سيطرت القوات العراقية والحشد الشعبي على معبر ربيعة الواصل ما بين جنوب كردستان وروج آفا- شمال سوريا بعد انسحاب قوات البيشمركة منها دون قتال، وهذا بحد ذاته يدل على أن هناك نية مبيتة من قبل فصائل الحشد الشعبي من جهة والنظام السوري والميليشيات التابعة له من جهة أخرى حول إمكانية فتح المعبر بين الحكومة العراقية وسوريا، وصولاً إلى اتفاق سوري تركي لإعادة فتح معبر نصيبين الحدودي الخاضع للنظام السوري في قامشلو ومحاولة الربط بين معبري ربيعة ونصيبين، هذا الأمر من شأنه تقوية نفوذ النظام السوري في مناطق فيدرالية شمال سوريا إلى جانب إضفاء الشرعية على تواجده في هذه المنطقة من خلال سيطرته على المنفذ الحدودي مع تركيا، إلى جانب أنه بهذه الخطوة قد يكسب تأييداً إضافياً من موالييه لمعاداة الإدارة الذاتية الديمقراطية وقوات سوريا الديمقراطية في المنطقة للنيل من المكتسبات، خاصة في مرحلة انتخابات الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا والتي توجت في أولى مراحلها (انتخابات الكومينات) بالنجاح وستستمر بعد ذلك بانتخابات البلدات والنواحي والمناطق….إلخ، إضافة إلى ذلك من المحتمل أن يتم استخدام هذا الخط الواصل بين المعبرين كبديل عن معبر ابراهيم الخليل لأربعة أهداف

الهدف الأول، ضرب اقتصاد جنوب كردستان وإطباق الحصار عليه وفرض الإذعان عليه وإجباره على تقديم التنازلات وإلغاء نتائج الاستفتاء، كون معبر ابراهيم الخليل (الخابور) يغذي الإقليم بحوالي 7 مليارات دولار سنوياً

الهدف الثاني: تحويل خط أنابيب نفط جنوب إقليم كردستان والتي تم إنشاؤها بعد سقوط النظام العراقي السابق، وتصدير النفط منها إلى ميناء جيهان التركي، وإعادة فتح أنابيب نفط كركوك القديم الذي يصل إلى ميناء جيهان التركي، وحرمان جنوب كردستان من موارد تصدير النفط

الهدف الثاني، فتح طريق واصل بين معبر ربيعة ومعبر نصيبين، سيعود بالفائدة الاقتصادية على روج آفا وسيكون له دور كبير في إزالة الحصار عن روج آفا، ولكن ذلك سيكون على حساب إقليم كردستان وتضييق الحصار عليه، وهذا من شأنه أن يزيد الفرقة السياسية ما بين إقليم كردستان وروج آفا، لما سيكون لهذا الخط الواصل ما بين المعبرين والذي يمر في جغرافية روج آفا الدور الكبير في فرض العزلة على إقليم كردستان

الهدف الثالث، ضمن إطار الخطة الروسية الهادفة إلى لملمة أوراق النظام السوري ومحاولة شرعنته في كافة أنحاء سوريا، وتقوية تواجده على أساس قانوني، سيكون فتح معبر نصيبين على وجه التحديد بمثابة إعادة الروح للنظام السوري في قامشلو على حساب الإدارة الذاتية الديمقراطية والفيدرالية، كون البوابة الحدودية في نصيبين وجميع الإجراءات القانونية ستكون ما بين الدولة التركية والنظام السوري.

هنا لابد للإشارة إلى أن هذا الوضع سيؤدي إلى قطع أوصال أراضي روج آفا (شمال سوريا) من جهة، وزيادة العزلة والفرقة ما بين روج آفا وإقليم كردستان من جهة أخرى، ولذلك فمن الضروري الحفاظ على معبر فيشخابور- سيمالكا ومعبر تل كوجر لما لهما الأهمية الاستراتيجية للكرد ولأمريكا ومحاربة الإرهاب في المنطقة. حيث أنه سيكون سيطرة القوات العراقية والميليشيات الشيعية على منطقة فيشخابور بمثابة انتصار استراتيجي لمصالح إيران في المنطقة، وهنا لا بد أن يكون للولايات المتحدة الامريكية موقف حيال ذلك لمنع تمدد النفوذ الإيراني

وكون الدول الإقليمية الأربعة المحيطة بكردستان تتعاون سياسياً و عسكرياً لإفشال إي مشروع خاص بالكرد في الأجزاء الأربعة ، لذا نجد أنها تتخذ من المعابر رغم أهميتها ذريعة للتدخل في شؤن الشعب الكردي وممثليه في جنوب كردستان وروج آفا، وفي الوقت ذاته هو مشروع عدائي يستهدف الحد من انتصارات قوات سوريا ديمقراطية في الرقة ومشاركتها في حملة عاصفة الجزيرة لتحرير دير الزور والسيطرة على حقل العمر ( أكبر حقل نفطي في سوريا) وحقل التنك النفطي والتوجه صوب الحدود العراقية ومدينة البوكمال، وقد تكون هذه رسالة من بغداد لدمشق وبإيعاز إيراني بأن يتم مجابهة مشروع الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا واستعادة الثقة بالنفس، والتوجه نحو السيطرة على الحقول والمنابع النفطية والمعابر الحدودية التي ستأتي بنتائج إيجابية لدمشق وبغداد و أريحية واضحة لطهران و أنقرة

                                                                 قسم التحليل السياسي

                                                               مركز قامشلو 30/10/2017

العلاقات السعودية الروسية بين شد و جذب

       مرّت العلاقات السعودية الروسية بتغيرات متسارعة تبعاً للظروف المرحلية للبلدين والمنطقة العربية, وتعود العلاقات بينهما إلى عشرينات القرن الماضي, حيث كان الاتحاد السوفياتي أول بلد غير عربي تقيم السعودية علاقات دبلوماسية معه, واعترفت روسيا بالسعودية في 19 شباط/ فبراير 1926 وذلك عندما خاطر ممثل الاتحاد السوفياتي بحياته باجتياز الصحراء العربية في السعودية لتسليم ملك السعودية رسالة اعترفت بالمملكة السعودية في الحجاز, لتبدأ بعدها الزيارات الرسمية بينهما حيث كانت أول زيارة رسمية قام بها الملك فيصل بن عبد العزيز إلى الاتحاد السوفياتي عام 1932 لتنقطع بعدها العلاقات فجأة بعد سحب الاتحاد السوفياتي سفيره من السعودية اعتقادا منها بأن العلاقات بينهما أصابها الضرر نتيجة التقارب بين أمريكا و دول الخليج العربي ومنها السعودية وخاصة بعد اكتشاف النفظ فيها بعد الحرب العالمية الثانية لذلك أدى إلى انقطاع العلاقات بينهما.

      ويبدو أن العلاقات بين البلدين دخلت مرحلة جديدة, وخاصةً بعد الربيع العربي وموقفهما من هذه الأحداث ورؤيتهما شكل طريق الحل, حيث شكلت الأحداث السورية نقطة انطلاق جديدة للعلاقات الدبلوماسية بينهما, وخاصةً بعد تغير مسار الخارطة السورية وظهور لاعبين جدد على الساحة وتغير موازين القوى الدولية والإقليمية بين روسيا وأمريكا, وظهور روسيا كلاعب أساسي على الساحة السورية وانفرادها بالتأثير على النظام السوري وأطراف المعارضة السورية, وتأثير الأزمة اليمنية على السعودية وانغماسها فيها وما  ترتب عليها من نتائج سلبية من الناحية السياسية من خلال رفض الكثير من الدول سياسة التحالف العربي بقيادة السعودية والتقارير الصادرة من الأمم المتحدة والهيئات الحقوقية التي وصفتها في الكثير من الأحيان بأنها تصل إلى مستوى جرائم الحرب, والنتائج الاقتصادية من خلال الخسائر التي منيت بها وتأثيرها على المملكة السعودية, ومن الناحية العسكرية لتنغمس فيها بشكل كامل وتخسر فيها الكثير من قوتها واستراتيجيتها العسكرية, لتحاول بعدها السعودية تغيير استراتيجيتها اتجاه روسيا, وذلك بعد اقتناعها بأهمية التقارب من روسيا.

     ومع قرب حلحلة الأزمة السورية ورسم الخارطة السياسية, ومع التغيرات الجيو سياسية والاستراتيجية الحاصلة في الجغرافية السورية وسيطرة النظام السوري على  مساحات واسعة منها مستفيداً من جملة من العوامل الدولية التي ساعدته على ذلك, مثل التوقيع على اتفاقية مناطق تخفيف التوتر في سورية بين الدول الضامنة لأطراف الأزمة السورية روسيا وتركيا وإيران، والتدخل الروسي المباشر وتغيّر مسار الحرب لصالح النظام, بدأت حرب الزيارات المكوكية بين الدول المنغمسة في الأزمة السورية مثل الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي بوتين إلى أنقرة وما تمخض عنها من نتائج أثرت على مسار الأزمة السورية, ومن ثم زيارة الرئيس التركي أردوغان إلى إيران وما نتجت عنها من نتائج ضد استفتاء إقليم كردستان واتفاقهما على أن إعلان دولة كردستان خط أحمر, والوقوف في وجه المشروع الفيدرالي الديمقراطي الذي تبنته الإدارة الذاتية في الشمال السوري ونجاح العملية الانتخابية وتخوف تركيا من تأثيرها على الداخل التركي.

     وجاءت بعدها الزيارة التاريخية وغير المسبوقة للعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز إلى روسيا بعد قطيعة دامت 91 عاماً لتمثل انعطافةً وبداية تاريخية حقيقة في العلاقة بين البلدين, ولإحداث تغير جذري في الموقف السعودي من الأزمة السورية, وذلك بعد الزيارة التي قام بها الأمير محمد بن سلمان عام 2015 بوصفه آنذاك وزيراً للدفاع وتمتعه بعلاقات شخصية مع الرئيس بوتين، حيث شهدت هذه العلاقات تطوراً سريعاً وملحوظاً في المجال الأمني والسياسي, والتي تجلت بحراك سياسي بين كل من السعودية وروسيا وخاصة بعد الزيارة التي قام بها آنذاك رئيس مكتب الأمن القومي السوري علي مملوك إلى الرياض ولقائه الأمير محمد بن سلمان, ليتغير بعدها الخطاب السعودي تجاه سورية، حيث أعلن وزير الخارجية عادل الجبير بأنه على وفد (معارضة الرياض) السورية قبولاً ضمنياَ  ببقاء الأسد في السلطة وبلورة مشروع سياسي والعمل على توحيد صفوف المعارضة بين وفد الرياض ومنصة القاهرة وموسكو, واعتماد مقررات جنيف (1) والقرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن الدولي طريقاً للحل السلمي للأزمة السورية.

    وتعتبر زيارة الملك سلمان إلى روسيا مهمة لأنها تأتي في ظروف حرجة تمر بها منطقة الشرق الأوسط عامة والمنطقة العربية وسورية بشكل خاص، وبعد التطورات الحاصلة في العلاقة بين السعودية وأمريكا, ومساندة أمريكا لقطر ضمنياً في أزمتها مع الدول الخليجية, واعترافاً من السعودية بالتفوق الروسي في الساحة السورية من خلال الانتصارات التي حققتها مع قوات النظام في البادية السورية, وزيادة مساحة سيطرة النظام على الجغرافية السورية, ومحاولة السعودية لإعادة التوازن إلى موقفها الدولي من الأزمات الحاصلة في المنطقة بعد أن فقدت دورها المحوري كلاعب أساسي ومهم في الأزمة السورية واليمنية, وصولاً إلى قناعة تامة بالدور الأكبر لروسيا في حلحلة الأزمات, واعتقاداً منها بقدرة روسيا وبالاتفاق معها على الحد من تمدد النفود الإيراني والشيعي في المنطقة, وقطع الطريق أمام إيران للوصول إلى البحر الأبيض المتوسط  في لبنان, وتخوفها من البرنامج النووي الإيراني والتهديد الذي يشكله هذا البرنامج على منطقة الخليج العربي, بالرغم من أن السعودية هي حليفة رئيسة لأمريكا، ولكن الأسرة الحاكمة في السعودية وصلت إلى قناعة بأنه لا بد من تعزيز العلاقات مع روسيا صاحبة الدور الأكبر في المنطقة وصولاً عن طريقها إلى تطوير تعاونها السياسي والاقتصادي مع الصين، والتمدد في علاقاتها الدبلوماسية في الشرق الأوسط.

    فقد أكد العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وبعد لقائه الرئيس الروسي بوتين تقارب الروئ بين البلدين في الكثير من القضايا وعلى رأسها تكثيف الجهود لمحاربة الإرهاب العالمي وتجفيف منابعه, حيث طرح مبادرة لإنشاء مركز عالمي لمحاربة الإرهاب في مدينة فيينا بالنمسا وتخصيص (110) ملايين دولار لذلك, وكما اعتبر الملك سلمان أن الحل في المنطقة وخاصة في سورية واليمن يأتي عبر مطالبة إيران بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول, والعمل مع روسيا على توحيد صفوف المعارضة السورية وتوسيع نطاق عملها للدخول في العملية السياسية, وتأييد مقررات جنيف وأستانا والحفاظ على وحدة الأراضي السورية, ويقيناً من السعودية بنجاح روسيا باختراق المعارضة السورية وإحداث انقسامات فيها.

    ومما لاشك فيه أن هذه الزيارة تأتي من وجهة النظر الروسية محاولةً للتقرب من السعودية اعتقاداً منها بقدرة السعودية على التأثير في المعارضة للقبول بالرؤية الروسية لحل الأزمة السورية وإخراج هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) من المعادلة السياسية السورية وقبولها  بقاء الأسد في المرحلة الانتقالية, وقدرة السعودية في التأثير على الداخل الروسي من خلال المسلمين الموجودين في روسيا والذي يصل عددهم إلى 20 مليون مسلم والذين يحصلون على الدعم الكبير من السعودية أثناء موسم الحج و العمرة.

       أما بالنسبة للمحور الكردي و تأثيره على الساحة السورية فتوجد آراء مشتركة بين البلدين وقناعة تامة بالدور الذي يشكله الكرد في سورية, وقدرتهم على أن يكونوا الطرف الأكبر والأبرز في طريق الحل بالنسبة إلى الأزمة السورية، وخاصة بعد التصريحات الروسية حول الحل في سورية وأن شكل النظام القادم هو الاتحاد الفيدرالي الذي يتوافق مع المشروع الفيدرالي الديمقراطي والأمة الديمقراطية الذي طرحه المفكر والفيلسوف عبدالله أوجلان والذي تبنته الإدارة الذاتية الديمقراطية في روج آفا وشمالي سورية، وذلك بعد زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز إلى روسيا وما تمخض عنها من نتائج على الساحة السورية, مثل الزيارة التي قام بها وزير الدولة السعودي للشؤون الخليجية ثامر السبهان ضمن وفود أمريكي رفيع المستوى إلى الرقة ضمن خطة إعادة إعمار الرقة ومع دخول الأمارات أيضا على الخط , وأن دل على شيء أنما يدل على حصول السعودية على موافقة ضمنية من روسيا .

    وبعد اللقاء الذي حصل بين الملك سلمان والرئيس بوتين أعلنت الهيئة الفيدرالية الروسية للتعاون العسكري والتقني يوم الإثنين 9/10/2017 أن روسيا والسعودية توصلتا إلى اتفاق عسكري لشراء منظومة صواريخ  S400 التي تفوق قدرتها منظومة الصواريخ S300 التي ابتاعتها إيران من روسيا, إضافة إلى صفقات عسكرية أخرى, وحيث أكد فيها الطرفان بأن هذا التعاون العسكري ليس موجهاً ضد أحد وأنه يجب ألا يثير قلقاً لدى الآخرين.

    ومن الناحية الاقتصادية فقد تم الاتفاق بين البلدين روسيا والسعودية على وضع خارطة طريق للمشاريع الاقتصادية المشتركة بينهما, حيث وقّع البلدان على اتفاقية إنشاء صندوق استثماري مشترك بقيمة مليار دولار, وفي قطاع الطاقة والبتروكيماويات تم توقيع اتفاقية في مجال استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية, كما وقعت شركة (سايبور) الروسية مذكرة تفاهم مع شركة أرامكو السعودية لاستكشاف فرص العمل بين البلدين, إضافة إلى الاتفاقيات في مجال الاتصالات وتقنيات المعلومات, ومذكرة أخرى في مجال العمل والتنمية الاجتماعية ومشاريع الطرق والقطارات الحديثة السريعة.

     والمتتبع والباحث لسير الزيارات والعلاقات الدبلوماسية بين الحكومات والأنظمة الإقليمية والدولية سيجد بأنها خاضعة لمبدأ التوازنات والمصالح الدولية المرحلية كالتقارب بين روسيا والسعودية الحاصل نتيجةً لأزمات المنطقة العربية في سورية واليمن والتهديدات الإيرانية, حيث شهدت هذه العلاقات في السنوات الأخيرة موجات من الصعود والهبوط وارتبطت بتوجهات القيادة في الدولتين والمشكلات الخلافية بينهما وخاصة الأزمة السورية، حيث عملت كل منهما على حل الأزمة السورية من خلال منظورها, حيث أن كل من المشروعين السعودي  والروسي مستقل وقائم بذاته وليس بالضرورة أن يتكاملا معاً ولا أن يتواجها بالرغم من بعض نقاط التماس بينهما, ولكن هذه العلاقات تعتبر هشّة نتيجة الظروف والعوامل التي جمعت بينهما, لذلك علينا نحن في سورية عامة وفي روج آفا وشمالي سورية خاصة أن التدخل السعودي في الأزمة السورية وفي روج آفا ليست مجانية وإنما لغايات وأهداف تجلت من خلال الانتكاسات التي تجلت في المعارضة السورية تذبذب الموقف السعودي, الاستفادة من هذا التنافر بين الدول الإقليمية وطرح المشروع الفيدرالي الديمقراطي والمدعوم من روسيا بعد طرحها مشروعها الاتحادي لسورية المستقبلية وقدرتها في التأثير على جميع أطراف الأزمة السورية الداخلية والخارجية.

                                      صلاح راجي 

 

أزمة العلاقات التركية الأمريكية

 

 

     لا تبدو الخلافات الأمريكية التركية كسحابة صيف, فحجم هذه الخلافات بدأت بالنمو رويداً رويداً وخاصةً فيما يتعلق بالشأن الداخلي التركي والأزمة السورية والمشاكل الدبلوماسية،  وصولاً إلى الخلافات في أغلب القضايا الإقليمية والدولية.

     يبدو أن الخلافات التركية الأمريكية ليست وليدة اللحظة، بل خلافات نابعة من اختلاف المصالح لكلا الطرفين حول القضايا الشائكة والجوهرية بالنسبة إليهما, حيث نعتقد أن حكومة أردوغان لم تعي بعد بأن الولايات المتحدة لن تضحي بمصالحها الحيوية في منطقة الشرق الأوسط  مقابل تحالفها الاستراتيجي مع تركيا, حيث اعتبر الرئيس الأمريكي نيكسون منطقة الخليج العربي/ الفارسي منطقة مصالح حيوية للولايات المتحدة الأمريكية، والتي ستمتد تأثيرها إلى المناطق المجاورة للخليج, فالتاريخ قد يعيد نفسه من جديد وتقع تركيا في نفس الخطأ عندما لم تسمح للولايات المتحدة باستخدام قاعدة أنجرليك قبيل حرب عاصفة الصحراء عام 1991، حينها حاولت تركيا ابتزاز الولايات المتحدة واستخدام موقعها الجيوسياسي للحصول على مكاسب في كردستان العراق, إضافة إلى رغبة تركيا للدخول إلى الاتحاد الأوربي بضغط أمريكي، لكن الولايات المتحدة لم ترضخ للابتزازات التركية وخاضت الحرب دون استخدام تلك القاعدة, وقد أثر ذلك على السياسات الأمريكية تجاه تركيا حيث أخذت وبشكل جدي بالبحث عن بديل يحل محل تركيا والاعتماد عليه.

     حين تيقنت تركيا بأن الطريق إلى دخولها في الاتحاد الأوربي أصبح شبه مستحل بعد تصريح رئيس الوزراء البريطاني السابق بأن تركيا لن تنضم للاتحاد الأوربي حتى لو بعد ألف عام، وفي ضوء عدم جدية الولايات المتحدة بممارسة الضغط على الاتحاد الأوربي في هذا الشأن نجد أن القيادة التركية غيرت اتجاه بوصلتها إلى الشمال نحو روسيا وباتجاه الشرق الأوسط نحو العالمين العربي والإسلامي أملاً باستعادة أمجاد الخلافة العثمانية, خاصة وأن ظروف المنطقة قد أصبحت مهيأة لذلك بعد ثورات ربيع الشعوب . حيث نجد أن تركيا دعمت تلك الثورات وخاصة في ليبيا ومصر وسوريا, ففي ليبيا دعمت تركيا ثورتها رغم علاقاتها الجيدة مع القذافي وذلك أملاً بوضع يدها على منابع النفط والغاز في ليبيا بغية الانتقام من دول الاتحاد الأوروبي وابتزازها عن طريق إرسال موجات من المهاجرين الأفارقة إلى أوروبا. لكنها فشلت في هذا الأمر فشلاً ذريعاً حيث شهدت ليبيا بعد سقوط  الرئيس “معمر القذافي” فوضى عارمة تمثلت بسيطرة فصائل إسلامية راديكالية مناهضة لتركيا على مناطق شاسعة من البلاد وخسارة تركيا للورقة الليبية وإلى الأبد.

     أما بالنسبة لمصر فقد أيدت تركيا الثورة الشعبية ضد حكم الرئيس “حسني مبارك” أملاً في تسلم تنظيم الإخوان المسلمين المدعوم من تركيا للسلطة، وقد تحقق لها ذلك في البداية وتسلم الرئيس المعزول “محمد مرسي” الإخواني والقريب في أيدولوجيته من فكر حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان، وقد تلاقت مصالح تركيا والولايات المتحدة في هذا الشأن, ولكن شهر العسل هذا لم يدم طويلاً بينهما حيث أسقط الجنرال “السيسي” حكم “مرسي”          والإخوان بعد عام من تسلمهم السلطة وقد امتعض أردوغان من الطريقة التي تم بها إسقاط مرسي ووصفه بالانقلاب واصفاً الجنرال السيسي بالرئيس غير الشرعي. ولا يخفى على أحد أن ما تتعرض له مصر من عمليات إرهابية من قبل جماعات إسلامية راديكالية هي جماعات مدعومة بشكل غير مباشر من تركيا أردوغان، ويُستدل من هذا بأن العلاقات بين مصر وتركيا قد بلغت نقطة اللاعودة, وبالتالي سقوط ورقة أخرى من أوراق السياسة الخارجية التركية.

     رغم العلاقات الحميمة التي كانت تربط أردوغان برئيس النظام السوري بشار الأسد قبل اندلاع الثورة في سوريا في ربيع عام 2011, إلا أن أردوغان آثر التضحية بهذه العلاقة في سبيل نشر نموذجه الإسلامي متمثلاً بجماعة الإخوان المسلمين، فدعم الحراك من بدايته وحين تيقن من استحالة إسقاط الأسد بشكل سلمي غير تكتيكه وبدأ بتسليح الجماعات المعارضة بتمويل من قطر والسعودية، لكنه لم يحصل على مباركة أمريكية لإسقاط الأسد عسكرياً, وعلى ضوء تغيّر موازين القوى بتدخل حزب الله اللبناني ومن بعده الحرس الثوري الإيراني وصولاً إلى التدخل الروسي المباشر لصالح النظام، وترافق هذا مع سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على مساحات واسعة في الشمال السوري وصولاً إلى منبج, أدركت تركيا خطورة الوضع واستنجدت بالولايات المتحدة الأمريكية عقب تسلم “ترامب” لكرسي الرئاسة في محاولة منها لثني أمريكا عن دعمها لقوات سوريا الديمقراطية متذرعةً بأن هذه القوات تشكل خطراً على أمنها القومي، وطرحت بديلاً لها متمثلة في قوات درع الفرات المدعومة مباشرةً من تركيا تلك القوات التي قطعت الطريق أمام قوات سوريا الديمقراطية بدعم مباشر من تركيا التي احتلت جرابلس وإعزاز ووصولاً إلى الباب بتواطؤ من داعش, إلا أن إدارة ترامب أصرت على اعتمادها على قوات سورية الديمقراطية نظراً لبراعة تلك القوات في العمليات العسكرية وتحقيقها انتصارات في جميع المعارك التي خاضتها ضد تنظيم داعش الإرهابي, وعندما أدركت تركيا بأن الأبواب الأمريكية مسدودة في وجه سياساتها في المنطقة, اتجهت صوب موسكو عسى أن تلقى آذناً صاغية من بوتين بعد أن تم حلحلة الخلافات بين الطرفين إبّان حادثة إسقاط الطائرة الروسية والاعتذار الذليل الذي قدمه “أردوغان لبوتين”, وتجلى الفشل التركي في إدارة الأزمة السورية بدفع أثمان باهظة تمثلت بتخلّي تركيا عن مدينة حلب لصالح النظام بعد اتفاق مع روسيا يقضي باحتفاظ تركيا بالمواقع التي احتلتها في جرابلس وإعزاز وصولاً إلى الباب, واستمر شهر العسل الروسي التركي عبر الاتفاق على مناطق خفض التصعيد في مؤتمر أستانة وهي بمثابة دق المسمار الأخير في نعش المعارضة العسكرية في سوريا, ولازالت الكوابيس تلاحق القادة الأتراك خوفاً من وصول قوات سوريا الديمقراطية إلى البحر المتوسط، فأطلقت تركيا عملية السيطرة على إدلب بالاتفاق مع روسيا التي انتزعت منها مطلب التنازل عن رحيل الأسد لما هو أبعد من المرحلة الانتقالية مقابل السماح لتركيا بدخول إدلب, أمّا النظام السوري فقط صرح بأن النوايا التركية تحت الاختبار حيث طالبت وزارة الخارجية السورية بخروج القوات التركية بدون قيد أو شرط، ما يدل على موافقة ضمنية من قبل النظام على هذه الخطوة.

     نعتقد بأن المخططات التركية فشلت فشلاً ذريعاً في سوريا فهي لم تستطع إسقاط الأسد، ولم تتمكن من نشر النموذج الأردوغاني, إضافة إلى توسع الهوة بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة لاختلاف مصالح الطرفين وعدم موافقة أمريكا على أن تكون مطية لتنفيذ مخططات أردوغان.

     ويبدو أن سوء إدارة أردوغان للأزمات الخارجية لم تختلف كثيراً عن إدارته لأزمته الداخلية حيث انعكست آثارها بشكل سلبي عليه وعلى حزبه, وتجلى هذا في المسرحية الهزلية أو ما أطلق عليه عملية الانقلاب الفاشلة، واتهام أردوغان للولايات المتحدة الأمريكية بدعم هذا الانقلاب عبر إيواء الخصم اللدود لأردوغان الداعية “فتح الله غولن” المتهم الرئيس بتدبير الانقلاب, وقد طالب أردوغان مراراً من الولايات المتحدة الأمريكية تسليم “غولن” وقابله رفض أمريكي لعدم وجود أدلة دامغة تثبت إدانته, إضافة إلى تيقّن الإدارة الأمريكية من أن الانقلاب المزعوم ما هو إلا لعبة سمجة من تدبير أردوغان, ومن جهة أخرى صب أردوغان جام غضبه على معارضيه من عسكرين وسياسيين وأجهزة الاستخبارات وإعلاميين, حيث نكّل بهم في السجون وبالتالي تخلص من أبرز معارضيه, وأكمل هذا الأمر بتعديلاته الدستورية ونصّب نفسه حاكماً أوحد للبلاد، وهذا ما أثار حفيظة الاتحاد الأوروبي الذي رفض بدوره كل الضغوط التي حاول أردوغان أن يمارسها على معارضيه لأنها تتناقض مع مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان التي ينادي بها الاتحاد الأوروبي، والتي انعكست وبشكل مباشر على تصريحات المسؤولين الأوربيين بأن تركيا الأردوغانية لن تكون جزءاً من الاتحاد مهما طال الزمن.

     من جهة أخرى يرى مراقبون أن تركيا هي من قامت بتوريط الرئيس “مسعود البرزاني” بالمضي في إجراء استفتاء كردستان رغم الرفض الأمريكي الصريح لإجراء هذا الاستفتاء، وهذا ما عبر عنه وزير الخارجية الأمريكي “تيلرسون” مؤخراً بقوله “نحن لم نشجع الكرد على إجراء الاستفتاء”, ولاحظنا أن رئيس حكومة إقليم كردستان قد خاطب ودّ تركيا يوم الاستفتاء بقوله “إن تركيا لن ترى صديقاً أفضل من الكرد”، وبعد الاستفتاء اتضحت المؤامرة التركية على إقليم كردستان باتفاق إيراني تركي عراقي قلما حدث في العصر الحديث، وظهرت تداعيات الاستفتاء من خلال انسحاب الكرد من كافة المناطق المتنازع عليها مع العراق، إضافة إلى فرض عقوبات اقتصادية على الإقليم، ويبدو أن المستهدف غير المباشر هو الولايات المتحدة الأمريكية عبر ضرب حليف تاريخي لها في المنطقة ما سيؤثر على سياساتها المستقبلية فيها.

     يحاول أردوغان جاهداً لَي ذراع أمريكا عبر التهديد بإغلاق قاعدة أنجرليك الجوية، وهذا ما دفع بالولايات المتحدة الأمريكية إلى إنشاء قواعد لها في روج آفا والشمال السوري، وفي إقليم كردستان، لتتخلص من ابتزاز أردوغان لها, ويحاول أردوغان متوهماً تمثيل دور مشابه لدور إسرائيل في الولايات المتحدة لكنه يبدو أنه لا يعي بأن إسرائيل تتحكم بالقرار الأمريكي عبر تحكمها بالكونغرس لما يمتلكه اللوبي الصهيوني من سطوة على دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، بينما يحاول أردوغان تمرير سياساته عبر علاقاته الشخصية مع المسؤولين الأمريكيين متناسياً أن الولايات المتحدة الأمريكية دولة مؤسسات ولا تُدار من قبل أشخاص, وهذا ما بدا واضحاً من خلال العلاقات الأمريكية الروسية حيث كان الكثيرون يعتقدون بأن وصول “ترامب” إلى السلطة ونتيجة علاقاته الإيجابية مع بوتين سينعكس بشكل إيجابي على علاقة البلدين، ولكن حدث العكس، وهذا دليل واضح على أن الولايات المتحدة دولة مؤسسات وليست دولة دكتاتورية تُدار من قبل شخص واحد مثل ما هو الحال في تركيا. وبناءً على ما سبق نجد أن تركيا بدأت تفقد شئياً فشيئاً بريق علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة اختلاف الرؤى والمصالح بين الطرفين, ولكن يجب الأخذ بعين الاعتبار بأن تركيا أردوغان مستعدة لتقديم التنازلات الواحدة تلو الأخرى مقابل بقائه في السلطة، لذلك يجب عدم استبعاد ذلك في المستقبل القريب .

   فرع الحسكة – قسم التحليل

هدنة سورية

 جاء الاتفاق على وقف العمليات العدائية في سورية بعد أن مرت الأزمة بمراحل عصيبة من الناحيتين الإنسانية والعسكرية، حيث تفاقمت هذه الأزمة الإنسانية في حلب خاصةً بعد المعارك التي خاضتها كل من الفصائل الإسلامية التابعة للمعارضة والجيش النظامي في شرق حلب بين كرٍّ وفر، حيث سيطرت قوات المعارضة على منطقة الراموسة بما فيها من المواقع العسكرية الهامة مثل الكليات العسكرية، ونجحت بذلك بفك الحصار المحكم على شرق حلب من قبل النظام، كما قام النظام أيضاً بهجوم عكسي على هذه المواقع وعمل جاهداً على استعادتها قبل الإعلان عن الاتفاق وبدعم روسي

الاعتقاد السائد أن هذه المفاوضات لم تبدأ من هذه النقطة فقط بل بدأت قبل ذلك بكثير، حيث حاول كلا الجانبين الروسي والأمريكي الوصول إلى اتفاق يشمل كافة المناطق في سورية، وقد مرت هذه المفاوضات بمراحل عصيبة حملت الطرفين على تقديم تنازلات من قبلهما، ويبدو أنها كانت قاسيةً بالنسبة للطرف الأمريكي كعدم التطرق إلى مستقبل بشار الأسد في سورية، وضرورة الفصل بين الفصائل المسلحة (المعارضة المعتدلة المدعومة أمريكياً والمجموعات الإرهابية) المتداخلة معها في كثير من المناطق

إن تاريخ المفاوضات بين الولايات المتحدة وروسيا حول سورية حافلٌ باتفاقات كثيرة للتوصل إلى هدنات قصيرة الأجل وخاصة في حلب، ولكنها لم تصمد وباءت جميعها بالفشل بسبب تدخل القوى الإقليمية مثل تركيا والسعودية .

والاعتقاد السائد أن هذه الهدنة تختلف عن سابقاتها حيث تمت بين الولايات المتحدة وروسيا فقط دون أن تطلع الأطراف المتنازعة في سورية والقوى الإقليمية والدولية على مضمون هذا الاتفاق، ما خلق جواً من عدم الارتياح لدى هذه الأطراف، وحيث عمل كل جانب من طرفه على إعاقة هذا الاتفاق، وما رشح عن هذا الاتفاق أن تنسحب قوات النظام السوري من طريق الكاستيلو لمسافة 1500 متراً وقوات المعارضة 500 متراً عن هذا الطريق، ولكن الجانبين تبادلا الاتهامات بعدم تطبيق ذلك، وما فاجأ المعارضة المسلحة هو تواجد القوات الروسية على هذا الطريق والذي اعتبرته دعماً لقوات النظام، والأمر الآخر هو عرقلة قوات النظام لدخول المساعدات إلى حلب الشرقية دون موافقتها وخاصةً أن هذه المساعدات كانت قادمةً من تركيا، مما أثار الشكوك وأصرت على تفتيشها قبل دخولها إلى حلب، وما أثار الشكوك أيضاً هو إسراع تركيا في الإعلان عن أن المساعدات جاهزة وهي في طريقها إلى حلب وذلك لإحراج النظام

الأدوار المرتقبة للأطراف جميعاً

الولايات المتحدة الأمريكية

عملت الخارجية الأمريكية بقيادة “جون كيري” على الإصرار للوصول إلى اتفاق شامل بشأن سورية، وانتزاعه من روسيا قبل انتهاء ولاية الرئيس “أوباما”، واستمرت هذه المباحثات الماراثونية بين “كيري ولافروف” عدة شهور دون الوصول إلى اتفاق، حيث كان هناك تباعد كبير في المواقف بينهما، وظهر ذلك من خلال تصريحات “كيري” الذي قال : “إننا لسنا مستعجلين على إبرام أي اتفاق لن يؤدي إلى السلام في سورية لكي لا يلقى هذا الاتفاق مصير الفشل مثل الاتفاقات السابق”

وتم الإعلان عن هذا الاتفاق بتاريخ 10 أيلول 2016 بين كل من وزير الخارجية الروسي “لافروف” والأمريكي “جون كيري”، وقد التزمت الأطراف المتصارعة في حلب بوقف العمليات العدائية، حيث عاشت حلب هدوءاً غير مسبوق منذ نحو سنتين، واستمر لنحو 3 أيام قبل أن تجدد الاشتباكات في محيط المدينة، وبعد الإعلان عن هذا الاتفاق ظهرت للعلن خلافات قوية بين المؤسسة السياسية والعسكرية في الولايات المتحدة، حيث صرح البنتاغون والاستخبارات المركزية الأمريكية أنهم غير موافقين على هذا الاتفاق بحجة عدم الوثوق بالجانب الروسي وخاصةً في المجال العسكري الذي سيؤدي إلى كشف الأوراق الأمريكية العسكرية في سورية خشية أن تقوم روسيا بخلطها جميعاً .

وهذا ما سبب خلافاً داخلياً أمريكياً وشكّل عقبة أمام تطبيق الاتفاق، ومن ناحية أخرى ادعت هذه الجهات أنها ستلتزم بالاتفاق ولكن سرعان ما قامت المؤسسة العسكرية بتوجيه ضربة قاسية لقوات النظام السوري في دير الزور بحجة حصول “خطأ تقني” مما أضرّ بهذا الاتفاق، ودفع روسيا إلى اتهام الولايات المتحدة بتعمد ضرب قوات النظام لإفشال الاتفاق، وهذا ما دفع الإدارة الأمريكية إلى الإصرار في عدم نشر هذا الاتفاق للعلن وعرقلة جلسة لمجلس الأمن من أجل إقراره، وخير دليل على ذلك هو المجادلة  التي حدثت بين مندوبي كل من روسيا وأمريكا في جلسة مجلس الأمن، وانسحاب المندوبة الأمريكية منها”سامنتا باور”، مما أغضب المندوب الروسي “فيتالي تشوركين”، واعتبرها خارجة عن اللباقة الدبلوماسية

روسيا

يبدو أن الروس أيضاً مصرون على عقد اتفاق مع هذه الإدارة التي شارفت على الانتهاء وانتزاع اتفاق شامل حول سورية، وإجبار الإدارة المقبلة على الالتزام به، ومن جهة أخرى تحاول روسيا أيضاً أن تخرج من المستنقع السوري بأقل الخسائر وذلك نظراً لما عانته من هذا التدخل الذي بدأ منذ أكثر من سنة والذي لم يحقق النتائج المرجوة منه، محاولين بذلك انتزاع موافقة أمريكية على بقاء حليفهم الأسد في السلطة، والإبقاء على قواعدهم العسكرية والقضاء على الجماعات التي تصفها بالإرهابية خشية أن تشكل هذه الجماعات خطرا مستقبلياً عليها وخاصة من الجماعات القوقازية والشيشانية

النظام السوري

حاول النظام من طرفه وبضغط روسي أن يبدي استعداده الكامل لتطبيق بنود هذا الاتفاق الذي ادعى أنه مطلع على كافة تفاصيله، بالرغم من إصرار الولايات المتحدة على عدم كشف بنوده حتى لحلفائها المقربين منها، وإن عرقلة النظام لتطبيق بنود هذا الاتفاق في حلب يؤكد على عدم اطلاعه هو وحليفته طهران على تفاصيله، وهذا ما تبين على الأرض من خلال قيام النظام باستهداف عدد من المواقع العسكرية للمعارضة في مختلف المحافظات، أن رؤيته للحل تكمن في تقسيم البلاد إلى مناطق والعمل على عقد مصالحات محلية محدودة لتخفيف الضغط العسكري على قواته وهذا ما حصل في كل من داريّا والمعضمية وحي الوعر في حمص

كما سعى النظام من خلال الهدنات السابقة إلى الضغط على المعارضة المسلحة من خلال حصارها في مناطق معينة وتجويع أهلها مما أدى إلى استسلامهم من خلال مصالحات محلية تقضي دائما بإفراغ منطقة النزاع من سكانها والمسلحين وإرسالهم إلى محافظة إدلب التي أصبحت مقرا عسكريا لتجميع القوات المعارضة المسلحة محاولة خلق نوع من الصراع والاقتتال الداخلي بين هذه الفصائل تمهيدا للانقضاض عليها جميعا في وقت لاحق .

المعارضة السورية 

حاولت المعارضة المسلحة من خلال إظهارها نوعا من المرونة تجاه هذا الاتفاق أن تلجأ إلى استراحة محارب، تعمل من خلاله على تجميع قواتها لضرب مدينة حلب والسيطرة عليها، وتذرعت حيناً آخر بأن هذا الاتفاق سيحدث شرخاً بين هذه الفصائل التي لا تختلف عن بعضها كثيراً، وما يجعلنا نعتقد بأن هذا الاتفاق لن يكتب له النجاح لأن فصائل المعارضة المسلحة لا تستطيع أن تنفصل عن جبهة النصرة “فتح الشام” كونها شكلت تحالفاً معها تحت مسمى “جبهة فتح حلب” من جهة، وكون جبهة النصرة تعتبر من أقوى الفصائل المسلحة في حلب وإدلب، والمدعومة خارجياً من تركيا والسعودية، وأي خروج عن هذه الجبهة يعني بالنسبة للفصيل فقدان الدعم المادي والعسكري من الجهة الداعمة

أما بالنسبة للائتلاف الذي يدعي أنه الجناح السياسي للمعارضة فأن عدم اطلاعه على بنود الاتفاق شكّل عقبة أمامه لاتخاذ موقف واضح من هذا الاتفاق، وخير دليل على ذلك هي التصريحات المتناقضة التي أدلى بها زعماء المعارضة أمثال “أسعد الزعبي” الذي أكد عدم التزام المعارضة بتطبيق الاتفاق ما لم يتم الاطلاع على بنوده كاملةً، وما لم يتضمن هذا الاتفاق رحيل الأسد في نهاية المطاف

الدول الإقليمية 

الكرد 

رحبت وحدات حماية الشعب YPG  و مجلس منبج العسكري وقوات سورية الديمقراطية بالاتفاق الروسي الأمريكي وأكدت التزامها به حرصاً منها على وقف سفك الدم السوري، والوصول إلى اتفاقية تؤدي إلى حل سلمي للأزمة في سورية، حيث جاءت التصريحات المتطابقة من جانب وحدات الحماية وقوات سورية الديمقراطية والتي

وهذا دليل واضح على أن هذه القوات سوف تلتزم بأي اتفاقية تبرم بين القوى الدولية حول سورية بشكل يضمن حقوق شعوب هذا البلد جميعاً

قسم التحليل فرع الحسكة

تحديات ما بعد التحرير

أهم ما حصل في هذه الأيام العصيبة ، تحرير مدينة الرقة من فلول تنظيم داعش الإرهابي والقضاء على عاصمة الخلافة بؤرة الظلم والرعب الذي بات تخوفاً عالمياً من الانتشار والتفشي، الآن لبست الرقة ثوب الحرية بيد أبناءها السوريين الكرد والعرب والمكونات السورية المختلفة، الذين كانوا على قدر المسؤولية وحققوا حلم العالم بتحرير أخطر مكان في العالم من حيث انتشار القتل والإجرام والفكر التكفيري

تُعد الرقة السورية من أوائل المدن التي سيطرت عليها الفصائل المسلحة حيث قام النظام عن طريق محافظ الرقة بتسلمها للمسلحين مما أدى لقتل وتصفية عدد كبير من جنود جيش النظام، ولم تدم فيها هذه السيطرة طويلاً، بحيث تم تسليمها بأمر من الدولة التركية بالتنسيق مع الفصائل الموجودة فيها لتنظيم داعش الإرهابي والذي يعتبر صناعة محلية دولية إقليمية بامتياز

واليوم بعد تحرير الرقة وبعد إعادة الروح والحياة إليها، مجلس مدنية الرقة يستعد للتحدي الأصعب حيث ينتظر هذا المجلس التعود على كيفية التعامل مع الواقع الجديد بعد تحرير المدنية من الإرهاب، وخاصة بعد ما تشهدها المنطقة من تحولات ومرحلة جديد في ظل الحرب الخاصة وغرف عمليات المؤامرات بقيادة روسيا وتركيا وإيران والنظام البعثي، من أجل افشال المشروع الديمقراطي بقيادة مجلس السوري الديمقراطي التي أصبحت منارة لشعوب المنطقة بعد ويلات من القتل والدمار على يد النظام السوري وحلفائها والائتلاف التركي ومعها داعش واخواتها

إذا في ظل هذا التحدي الكبير يجب على المجلس أن يعتمد بناء هيكلية جديدة لإدارة المدينة وأن يقوم بالبدء من أصغر مكان وهو بناء الكومينات وتنظيم الشعب وتوعيته ونشر الفكر الديمقراطي بين أبناء مدينة الرقة فقد كانوا لفترة طويلة تحت رحمة فكر شوفيني بعثي الذي يقوم على مركزية الحكم وقمع حقوق المواطنين، ومن ثم تلاه سيطرة التنظيم الذي كان يحمل فكر متطرف إجرامي، وللتخلص من التأثيرات السابقة في المجتمع يجب العمل على توعية الشعب في الرقة ليمهد بعدها لإدارة الشعب نفسه بنفسه بأسلوب ديمقراطي بعيد عن الظلم والسلطوية. ولعل أكبر دليل على نجاح تلك التجربة هي ما حصل في المناطق المحررة السابقة تل ابيض-منبج وغيرها، حيث تم تشكيل الكومينات ومن ثم مجالس إدارة ذاتية وتسلمها للأبناء المنطقة بكل مكوناتها

فالتجربة السابقة التي طُبقت في شمال سوريا من قبل (مسد) اثبتت نجاحها بالرغم مما روجت لها الجهات المعتبر نفسها صاحبة الثورة والتي تُوجه من قبل الدول الإقليمية، فالضخ الإعلامي بحجة أن مشروع (مسد) يهدف لتقسيم سوريا ما هو إلا محاولة فاشلة لضرب مشروع الديمقراطية وعرقلة الحل الحقيقي لسوريا. جميع القوى الحالية المتصارعة داخل سوريا لن تصل لحل حقيقي ما دامة لا تحمل مشروع جديد، فالنظام يعتبر نفسه بعد سبع سنوات مازال صاحب الحق ولا يتنازل عن أسلوبه القديم في الإدارة عن طريق قيادة مركزية قمعية لا ديمقراطية، أما المعارضة وكما ظهر واضحاً أنها ليست صاحبة القرار أنما هي وبشكل صريح أدوات لتطبيق أجندة خارجية

حيث بالتأكيد لا يوجد أي مشروع يمكن له أن يساهم في خدمة الشعب السوري سوى القضاء على المركزية، والانتهاج بالشعب كأساس للمشاركة والقرار والبناء وتحويل كل الولاءات الفردية لخدمة الشعب وتنميتها على أساس المصير المشترك والهوية السورية المشتركة”. وهذا ما يجب تطبيقه في الرقة لضمان بناء سوريا جديدة ولحمايتها من السقوط في الأخطاء السابقة.

فرع عفرين-قسم التحليل السياسي

النشرة اليومية …. أخبار – صحف و جرائد – مقالات – دراسات 18 – 10 – 2017

العناوين الرئيسية

الأخبار

قوات “سوريا الديموقراطية” تعلن النصر في الرقة وترفع علمها في دوار الجحيم
الجيش السوري يتقدم في الطرف الغربي لنهر الفرات تزامنا مع تقدمه شرق حماة
بعد انسحاب البيشمركة واحتلال الحشد لكركوك… مداهمات لمنازل الأكراد
الجيش العراقي يعلن “إتمام المهمة” في كركوك
البيشمركة تعود من جديد إلى محور متنازع عليه مع بغداد
تحذير أميركي من تهديد “لا يمكن تخيله” من كوريا الشمالية
ضربة موجعة جديدة لسياسة ترامب المناهضة للهجرة

صحف وجرائد

البارزاني يحمّل خصومه مسؤولية خسارة كركوك
عباس يريد إعادة هيكلة أجهزة الأمن في غزة
الجولة الخليجية مقياس لنجاح مساعي أمير الكويت
إيران ترفض أي “شرط” جديد لمواصلة تطبيق الاتفاق النووي

مقالات

إيران وسورية مولدتا الإرهاب

دراسات

التحدي الكردي للاستراتيجية السياسية للولايات المتحدة في العراق
________________________________________
الأخبار
قوات “سوريا الديموقراطية” تعلن النصر في الرقة وترفع علمها في دوار الجحيم
روسيا اليوم
أعلنت “قوات سوريا الديمقراطية” المدعومة من الولايات المتحدة انتصارها على تنظيم “داعش” في عاصمته مدينة الرقة السورية اليوم، ورفعت أعلامها في إحدى الساحات الرئيسية
وغرس أحد المقاتلين علم “سوريا الديموقراطية” الأصفر بإحدى ساحات الرقة، “دوار النعيم”، الذي كان التنظيم يستخدمه لتنفيذ جرائمه من إعدام وصلب وتعليق جثث وحتى إحراق كتب وعلب سجائر، خلال فترة احتلاله للمدينة، مما جعل سكان المدينة يطلقون عليه تسمية “دوار الجحيم
من جهته قال طلال سلو المتحدث باسم “قوات سوريا الديمقراطية” إن الإعلان الرسمي عن الانتصار في الرقة سيصدر قريبا بمجرد تطهير المدينة من الألغام وأي خلايا نائمة من التنظيم
________________________________________
بعد انسحاب البيشمركة واحتلال الحشد لكركوك… مداهمات لمنازل الأكراد
خبر24
بعد انسحاب البيشمركة من مدينة الكركوك الكُردستانية وتسليمها للحشد الشعبي دون قتال , وإدارة المدينة من قبل الحكومة المركزية في بغداد بدأت الشرطة المركزية بمدامهمة منازل الاكراد القاضنين في حين داخل المدينة وإحراق لمقار أحزاب سياسية من قبل عناصر الحشد الشعبي والجبهة التركمانية المنضوية تحت لواء الحشد
بدأت قوات الجيش العراقي إجراء مداهمات لمنازل الكُرد القاطنين في حيّ حسن بمدينة كركوك، وذلك عقب أن أتمّ عملية احتلال المدينة
بعد انتهاء هجوم الجيش العراقي على كركوك، بدأت مداهمة المنازل. ومنذ ساعات الصباح تجري مداهمة وتفتيش منازل حي حسن ذي الغالبية الكُردية
ومقر حركة آزادي في مدينة كركوك تعرض للإحراق على يد أعضاء الجبهة التركمانية العراقية المنضوية تحت لواء الحشد الشعبي
________________________________________

الجيش السوري يتقدم في الطرف الغربي لنهر الفرات تزامنا مع تقدمه شرق حماة
روسيا اليوم
سيطرت وحدات من الجيش السوري على مدينة موحسن و9 قرى بالطرف الغربي لنهر الفرات بعد ساعات من سيطرتها على بلدة الحسينية الاستراتيجية شمال دير الزور بالتوازي مع تقدمها بريف حماة الشرقي
وبالتوازي مع تقدم الجيش في دير الزور، بسطت وحدات من الجيش سيطرتها على قرى جباب التناهج والمكسار القبلي والشمالي بريف حماة الشرقي
إلى ذلك أحكمت وحدات من الجيش، بالتعاون مع القوات الرديفة، سيطرتها على ما تبقى من منطقة وادي العذيب شمال شرق مدينة سلمية، وعدد من القرى في ريف حماة الشمالي الشرقي

________________________________________
الجيش العراقي يعلن “إتمام المهمة” في كركوك
سكاي نيوز
أعلن الجيش العراقي، الأربعاء، نجاحه في استكمال فرض الأمن في كركوك، وفق ما أفادت مصادرنا و إن عملية إكمال فرض الأمن قد اكتملت، وشملت قضاء دبس وناحية الملتقى وحقل خباز وحقل باي حسن الشمالي وباي حسن الجنوبي
وشنت القوات العراقية عملية عسكرية خاطفة استطاعت من خلالها فرض سيطرتها على أماكن استراتيجية في كركوك من أبرزها مركز المحافظة ومطار كركوك وقاعدة كي واحد العسكرية ومنشأة غاز الشمال ومركز الشرطة ومحطة توليد الكهرباء والحي الصناعي الاستراتيجي جنوبي المدينة
وعلى الفور، أصدر رئيس الوزراء، حيدر العبادي، أوامره برفع العلم العراقي على جميع المباني الرسمية في المدينة والمناطق المتنازع عليها مع أربيل
فيما توعدت حكومة إقليم كردستان الحكومة المركزية بأن “تدفع الثمن غاليا
وسبق هذه التطورات تطمينات صدرت من بغداد للسكان المدنيين ودعوة لقوات البشمركة لأداء واجبها تحت القيادة الاتحادية باعتبارها جزء من القوات العراقية المسلحة
________________________________________
البيشمركة تعود من جديد إلى محور متنازع عليه مع بغداد
سبوتنيك
أفادت مراسلة “سبوتنيك” في العراق، نقلا عن مصدر أمني، اليوم الأربعاء، بعودة قوات كردية تابعة لإقليم كردستان، إلى محور متنازع عليه مع الحكومة الاتحادية في بغداد، بعدما انسحبت منه في الساعات الماضية
وحسب المصدر الذي تحفظ على الكشف عن اسمه، فإن سريتين من قوات البيشمركة عادت إلى محور قضاء مخمور الواقع بين قضائي الحويجة والشرقاط، ما بين كركوك ونينوى، شمال بغداد
وأضاف المصدر أن البيشمركة عادت إلى النقطة الأمنية لمحور مخمور، لإدارتها بشكل مشترك مع قطعات من الجيش العراقي
ويقول المصدر إن السريتين من البيشمركة رجعتا إلى النقطة الأمنية التي انسحبت منها في وقت سابق من يوم أمس الثلاثاء، لمساندة الجيش في فرض الأمن بسبب التهديدات التي واجهت القضاء من عمليات نهب وإحراق للمنازل فيها على يد مجهولين
وألمح المصدر إلى أن رجوع البيشمركة مؤقت حتى وصول قوات الشرطة الاتحادية لاستلام النقطة الأمنية ومحور مخمور والكوير بالكامل
يذكر أن قوات البيشمركة انسحبت بالكامل من محور مخمور أمام تقدم القوات الاتحادية للسيطرة على المناطق المسماة دستوريا متنازع عليها وفق المادة 140 ما بين بغداد وأربيل
________________________________________
تحذير أميركي من تهديد “لا يمكن تخيله” من كوريا الشمالية
سكاي نيوز
قال الأدميرال هاري هاريس قائد قيادة المحيط الهادي في سلاح البحرية الأميركية، الثلاثاء، إن عليه “تخيل ما لا يمكن تخيله” في التصدي لخطر البرنامج النووي الكوري الشمالي
وأوضح هاريس أنه “فيما تبقى الدبلوماسية الخيار المفضل” من أجل دفع بيونغيانغ للتخلي عن برنامجها النووي، فإن هذه المقاربة تستند إلى مؤازرة قوة عسكرية موثوقة
وقال القائد الأميركي في منتدى سنوي في سنغافورة: “كثيرون قالوا إن الخيارات العسكرية لا يمكن تخيلها فيما يتعلق بكوريا الشمالية
وأضاف: “علي تخيل ما لا يمكن تخيله. وبالنسبة لي ما لا يمكن تخيله هو صواريخ كورية شمالية محملة برؤوس نووية تقصف بها لوس أنجلوس، أو هونولولو، أو سيول، أو طوكيو، أو سيدني، أو سنغافورة
وارتفع منسوب التوتر حيال البرنامجين الصاروخيين النووي والبالستي لكوريا الشمالية، بعد إطلاق بيونغيانغ عدة صواريخ بالستية وإجرائها تجربة نووية سادسة لقنبلة هيدروجينية، تفوق قوتها بأضعاف التجارب النووية السابقة
وكان وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون أعلن الأحد أن ترامب يريد تجنب الحرب ورفض هاريس الإدلاء بإي تعليق لدى سؤاله عما إذا كانت الخيارات العسكرية الأميركية تشمل ضربة استباقية
إلا أنه وصف الزعيم الكوري الشمالي بأنه “ديكتاتور متهور”، محذرا من أن “وجود خليط من الرؤوس النووية والصواريخ البالستية بين أيدي زعيم متقلب وصفة تؤدي إلى كارثة
وأبلغت كوريا الشمالية الاثنين الأمم المتحدة أنها لن تتفاوض أبدا لتفكيك ترسانتها النووية، إذا لم تغير الولايات المتحدة سياساتها “العدائية” ضدها
________________________________________
ضربة موجعة جديدة لسياسة ترامب المناهضة للهجرة
روسيا اليوم
أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تعليمات أمس، باستئناف منح التأشيرات لمواطني، تشاد وإيران وليبيا والصومال وسوريا واليمن، إثر تعليق العمل بمرسوم لترامب حول الهجرة
جاءت خطوة الخارجية هذه بعد ساعات من صدور حكم ديريك واتسون، القاضي الفيدرالي في ولاية هاواي الأمريكية، بتعليق العمل بالنسخة الثالثة للمرسوم المناهض للهجرة، الذي وقعه الرئيس دونالد ترامب في 24 سبتمبر الماضي، وذلك قبل بضع ساعات فقط من دخوله حيز التنفيذ
وتضمنت هذه النسخة، وضع قيود على سفر مواطني ثماني دول إلى الولايات المتحدة، وهي، تشاد، وكوريا الشمالية، وفنزويلا، بالإضافة إلى سوريا، والصومال، وإيران، وليبيا، واليمن
كما منع الصوماليين من الحصول على تأشيرات هجرة، بينما منع منح جميع التأشيرات للقادمين من إيران، باستثناء طلابها الذين يأتون للدراسة في البلاد
وبرر القاضي حكمه، بأن قرار ترامب يعاني من نفس عيوب عانت منها النسخة السابقة من قرار حظر السفر
وأضاف أن المرسوم الرئاسي “يمارس التمييز ضد القادمين على أساس جنسياتهم”، معتبرا هذا الأمر مخلا بالمبادئ التي أُنشئت عليها الولايات المتحدة
هذا وأعرب البيت الأبيض في بيان، عن استيائه من الحكم، ملوحا بالطعن فيه
________________________________________
صحف وجرائد
البارزاني يحمّل خصومه مسؤولية خسارة كركوك
العرب
نحا مسعود البارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، في بيان له الثلاثاء، باللائمة في انتكاسة كركوك على قرارات فردية اتخذها ساسة أكراد، في إشارة واضحة إلى خصومه من الاتحاد الوطني الكردستاني المتهمين بتسهيل سيطرة القوات الحكومية العراقية على كركوك
ويزيد هذا الاتهام العلني من الفجوة بين الحزبين الكرديين الرئيسيين وسط حديث عن رغبة الاتحاد الوطني في التخلي عن اتفاق سنة 2000 بشأن توحيد الإدارتين المدنيتين في السليمانية وأربيل، والعودة إلى صيغة الإدارتين المنفصلتين
كما حث الرئيس العراقي فؤاد معصوم على حوار عاجل بين القيادة الكردية والحكومة العراقية لحل أزمة ما بعد الاستفتاء. لكن مراقبين عراقيين قللوا من فاعلية هذه الدعوات في ضوء بيان البارزاني الأخير بالرغم من موجة النقد التي يتعرض لها من داخل البيت الكردي وتحميله مسؤولية تراجع المكاسب التي تحققت للإقليم
وتقول قيادات عسكرية في قوات البيشمركة إن حفاظ القوات الكردية التابعة للبارزاني على مواقعها خارج كردستان لم يعد ممكنا بعد انسحاب القوات التابعة للسليمانية من مواقعها. لكن مصادر مطلعة في أربيل تقول إن قرار قوات البارزاني بمغادرة مواقع نفوذها خارج حدود كردستان جاء بضغط أميركي، بعدما حذرته واشنطن من أنها لن تدعم قوة كردية تنتشر خارج حدود الإقليم
وتقول المصادر إن القوات الكردية التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني تنسحب من مواقعها خارج إقليم كردستان، بالتنسيق مع القوات الاتحادية ووفقا لاتفاق مع بغداد بحفظ نفوذ حزب الطالباني فيها، في حين أن القوات التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني تنسحب بلا تنسيق مع أي طرف، وتخسر نفوذها
وتنظر أحزاب سياسية كردية، بينها حركة التغيير، والتحالف من أجل الديمقراطية والعدالة بزعامة السياسي البارز برهم صالح، الذي انشق عن الاتحاد الوطني، إلى التطورات الأخيرة المتعلقة بالاستفتاء بوصفها مؤشرا واضحا على إمكانية أن يرخي البارزاني قبضته السياسية والاقتصادية على إقليم كردستان
وقال صالح، معلقا على تداعيات الاستفتاء وانسحاب البيشمركة من مناطق نفوذها خارج كردستان، إن “ما يحدث هو دليل على أن البارزاني أصبح من الماضي”، مؤكدا أن “الإقليم بحاجة إلى حكومة جديدة
ولا تستبعد المصادر أن تدعم بغداد انتقال مركز الثقل السياسي الكردي من أربيل إلى السليمانية، في حال استمرت المدينتان في إقليم واحد، كما أنها لن تعترض إذا ما قرر الاتحاد الوطني الكردستاني أن يحول السليمانية إلى إقليم، بعد أن تغادر الشراكة مع أربيل
________________________________________
عباس يريد إعادة هيكلة أجهزة الأمن في غزة
الحياة
قرّرت السلطة الفلسطينية أمس، فتح باب التجنيد للأجهزة الأمنية في قطاع غزة نهاية السنة، في خطوة اعتبرت مؤشراً إلى نيتها إعادة هيكلة هذه الأجهزة على أسس جديدة بعد عشر سنوات من سيطرة حركة «حماس» على القطاع
قال عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» حسين الشيخ ، إن الرئيس محمود عباس وقّع على قرار إعادة هيكلة المؤسسة الأمنية. واعتُبرت تصريحات الشيخ مؤشراً إلى نية السلطة إعادة بناء أجهزة الأمن في غزة، بعيداً من الأجهزة التي بنتها حركة «حماس». وفي غضون ذلك أعلنت الحكومة الإسرائيلية في بيان أمس، أنها ترفض التفاوض مع حكومة وحدة وطنية فلسطينية تضم حركة «حماس»، في حال لم تتخلّ الأخيرة عن سلاحها وتعترف بإسرائيل
وقال مسؤولون في السلطة إن سياسة عباس تجاه «حماس» تقوم على استعادة غزة أولاً، وعلى استيعاب «حماس» ضمن مؤسسات منظمة التحرير ثانياً، وهو ما ترفضه الحركة، التي ترى أن الخيار الأمثل لإنهاء الانقسام يكمن في الشراكة الوطنية. وتعتبر «حماس» دعوة قادة «فتح» إلى سلاح واحد مؤشراً إلى توجه السلطة نحو عدم قبول الجناح العسكري لحركة «حماس» في القطاع على المدى البعيد
وأعلن مجلس الوزراء الفلسطيني أمس، عن بدء إعادة هيكلة الوزارات والدوائر الحكومية في القطاع وإطلاق عمل اللجان المختصة في المؤسسات والمعابر والأمن
من جهة أخرى، ربطت الحكومة الإسرائيلية الأمنية المصغّرة الحوار مع أي حكومة وحدة وطنية فلسطينية بقطع علاقات «حماس» بإيران، وتسليم جثث جنود إسرائيليين قتلوا خلال حرب عام 2014 في قطاع غزة، وإطلاق إسرائيليين محتجزين في القطاع
________________________________________
الجولة الخليجية مقياس لنجاح مساعي أمير الكويت
العرب
قالت مصادر خليجية إن نجاح أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح بإقناع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز بحضور القمة الخليجية المقبلة مرتبط، إلى حدّ كبير، بما إذا كان الشيخ صُباح سيتابع جولته الخليجية لتشمل دولا أخرى غير المملكة العربية السعودية
وكان أمير الكويت زار الرياض الأحد الماضي والتقى العاهل السعودي. وذكرت المصادر الخليجية نفسها أنّ المحادثات بين الجانبين اقتصرت على لقاء استمرّ بينهما عشرين دقيقة، في حين أن اللقاء الموسّع بين الوفدين السعودي والكويتي، الذي انعقد بمناسبة الزيارة، كان ذا طابع بروتوكولي فقط
معروف أن الخلاف بين السعودية ودولة الإمارات ومملكة البحرين من جهة وقطر من جهة أخرى، يحول حاليا دون انعقاد القمة. فالدول الثلاث غير مستعدة للمشاركة فيها في حال حضور قطر
وأكد المصدر الخليجي أن إيجاد أيّ حلحلة في هذا المجال يتوقّف على ما إذا كان أمير قطر مستعدّا للالتزام بالاتفاق الذي كان توصّل إليه مع السعودية في العامين 2013 و2014 في شأن خطوات معيّنة في مجال إيواء إرهابيين ووقف حملات التحريض على الدول الخليجية الأخرى، على رأسها السعودية والبحرين
وفسّر المصدر الخليجي ذلك بالوضع الحرج الذي يعاني منه الشيخ تميم داخل عائلة آل ثاني، حيث ظهرت في الفترة الأخيرة أصوات منددة بالخط السياسي الذي اتبعه والذي وضع خطوطه العريضة والده في العام 1995 بعد الانقلاب الذي تولّى على إثره السلطة
وقال المصدر الخليجي إنّه، على العكس من البحث عن مخرج لقطر، يتجّه الشيخ تميم إلى التصعيد مع أفراد آخرين في العائلة قرروا الوقوف في وجه التيّار الذي يمثلّه والذي أدّى إلى الأزمة الراهنة وإلى تفاقمها
________________________________________
إيران ترفض أي “شرط” جديد لمواصلة تطبيق الاتفاق النووي
النهار
حذرت ايران أمس الحكومات الاوروبية من فرض شروط جديدة على مواصلة تطبيق الاتفاق الدولي الخاص بالبرنامج النووي الايراني والموقع عام 2015
وصرح مستشار مرشد الجمهورية الاسلامية في ايران آية الله علي خامنئي للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي بانه “لا يحق للأوروبيين القول: اننا نقبل (بهذا الاتفاق) لكن علينا التحدث عن الوجود الايراني” في الشرق الأوسط
وأضاف: “لا شروط (للاتفاق) ويجب تطبيقه عملاً بما تم الاتفاق عليه” في فيينا في 14 تموز 2015 بين ايران ومجموعة الست (المانيا، الصين، الولايات المتحدة، روسيا، فرنسا، بريطانيا). وأكد أنه “يحق لنا التعاون مع جيراننا
وكان قصر الاليزيه أفاد أن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون تحادث الجمعة الماضي مع الرئيس الايراني حسن روحاني و”طمأنه… في شأن تمسك فرنسا بالإطار المحدد في اتفاق فيينا”، وقت كان الرئيس الاميركي دونالد ترامب يهدد في اليوم عينه بانسحاب بلده من الاتفاق “في أي لحظة
وقال إن ماكرون عبر خصوصاً عن “رغبته في العمل مع ايران على حل سياسي دائم للأزمة” في سوريا حيث تنشر ايران مستشارين عسكريين ومقاتلين دعما لحكومة الرئيس السوري بشار الاسد بطلب من الاخير
في غضون ذلك، نقل الموقع الإخباري لوزارة النفط الإيرانية “شانا” عن وزير النفط بيجان نمدر زانغنه أن إيران مستعدة للتعامل مع شركات النفط والغاز الأميركية
________________________________________
مقالات
إيران وسورية مولدتا الإرهاب
الحياة
رندة تقي الدين
عدد كبير من الناس في الغرب مقتنع بأن التهديد الأساسي الآتي من سورية ومنطقة الشرق الأوسط هو من «داعش». لكن قناعات هذه الغالبية تنبع من لا مبالاة أو عدم اهتمام بالتطورات وبما يحصل في الشرق الأوسط بسبب هيمنة «الحرس الثوري» الإيراني ووحشية نظام بشار الأسد التي أدت إلى إنشاء «داعش». الغريب أنك عندما تتحدث مع الرجل العادي في أوروبا تجد أن هناك نوعاً من خلط التراث الثقافي الإيراني الفارسي القديم بالنظام الكارثي الحالي مع خامنئي وجنراله الشهير قاسم سليماني الذي يتجول بين سورية والعراق ولبنان كأنه في بلده لإعطاء التوجيهات العسكرية والمكافآت عند اللزوم
استطاع بشار الأسد أن يقنع بعض السذج في الغرب بأنه المدافع عن مسيحيي الشرق، إذ إنه يحميهم وأن لا علاقة له بظهور «داعش»، وأن حليفته إيران هي دولة ذات نفوذ واسع وذات تاريخ وثقافة عريقة كأن خامنئي و «حرسه الثوري» لا علاقة لهما بثقافة حافظ وبالشاهنامة. فهذه الصورة المشوهة في الغرب مردها إلى عدم اهتمام الخارج في الغرب بما كان وما زال يحدث في البلد ذاته منذ قرون وعائلة الأسد الأب والابن تحكم سورية. فالمجازر والقتل والتعذيب التي كان يتعرض لها أي مواطن سوري يعارض النظام كانت نموذجاً عن نهج «داعش» الذي هو نسخة عن مخابرات النظام التي يعرفها لبنان واللبنانيون المستقلون والوطنيون الأحرار. فقبل القتل الذي تعرض له الشعب السوري منذ بدأت التظاهرات في درعا، كان لبنان الاختبار الأول للأسد الأب ثم الابن حيث كانت تصفية المعارضين أو خطفهم وتعذيبهم الطريقة السهلة للهيمنة والبقاء بالتخويف. أما إيران التي أصبحت الآن تسيطر في العراق عبر الميليشيات الشيعية وفي سورية بفضل قواتها العسكرية ووكيلها «حزب الله»، فهي أيضاً أصبحت في نظر الرأي العام الغربي الدولة الكبرى التي لها تاريخ عريق مستقر، وأن لا علاقة لها بوحشية «داعش». فهذه التقويمات المغلوطة سببها عدم اهتمام المواطن العادي في الغرب بما يحدث في البلدين من انتهاكات واعتقالات وتعذيب وجرائم. فصحيح أن إيران سوق كبيرة تهم أوروبا التي لم تحصل إلا على القليل من دول الخليج، ولكن هل نسيت أوروبا وبالتحديد باريس العمليات الإرهابية التي استهدفت قواتها في لبنان ومن كان وراءها؟ إن ما يحصل حالياً في العراق ومساعدة إيران في طرد مقاتلي «البيشميركة من كركوك هدفهما الاستقواء على نظام العبادي الضعيف الذي أضعفته خطوة بارزاني بتنظيم الاستفتاء. وبارزاني كان حذّر الرئيس السابق هولاند من خطوات تعتزم إيران أن تقوم بها في العراق لإنشاء طريق يربط بغداد ودمشق وبيروت كي لا يكون أي عائق لتمرير كل الأسلحة وما يحتاجه «حزب الله» على الأرض في لبنان وسورية. فهذه الأنظمة الديكتاتورية نجحت في فرض فكرة أنها ضامنة الأمن والاستقرار، في حين أنها ضامنة الكوارث والخراب. ومنذ جاء الخميني إلى الحكم في إيران عام ١٩٧٩، زادت الطائفية والتشنج وعدم الاستقرار في المنطقة. ولا شك في أن بارزاني أخطأ التقدير في تنظيم الاستفتاء، لكنه على حق في أن إيران تريد تأمين الطريق من العراق إلى دمشق ولبنان
ومع كل المآخذ على شخصية ترامب وكل ما يصدر عنه من تصريحات غريبة، فهو على حق بالنسبة إلى كل ما تقوم به إيران والملف النووي ليس وحده الأهم، بل إن سياسة إيران في المنطقة هي أيضاً على المحك والكل مستعجل للعمل مع بلد غني ومسايرة إيران التي ليست بعيدة من «داعش» وممارسته في العراق ولا في سورية ولا في لبنان. فالمطلوب تصويب الصورة لأن تاريخ إيران وسورية وثقافتاهما لا علاقة لهما بالأنظمة الحاكمة فيهما اليوم
________________________________________
دراسات
التحدي الكردي للاستراتيجية السياسية للولايات المتحدة في العراق
معهد واشنطن
زمكان سليم
تعتبر الإدارة الأمريكية الحالية إيران وسطوتها السياسية المتنامية في العراق وخارجه تهديدًا خطيرًا لمصالحها الخاصة ومصالح حلفائها في الشرق الأوسط. ونتيجةً لذلك، تبنّت واشنطن استراتيجيةً سياسية تتمحور حول حصر نفوذ إيران في العراق. وبغية تحقيق هذه الاستراتيجية، عزّزت الحكومة الأمريكية دعمها الدبلوماسي لرئيس الوزراء العراقي الحالي الشيعي حيدر العبادي. وبخلاف سلفه، أظهر العبادي رغبةً في الابتعاد عن الاستراتيجية الإيرانية في بلاده، سيواصل بالتالي تلقي الدعم الأمريكي، ما قد يساعده على ضمان ولاية ثانية خلال الانتخابات العامة المقررة العام المقبل
وبولاية جديدة في المنصب الأبرز في العراق، تعتقد إدارة ترامب الحالية أنه سيكون أمام العبادي أربع سنوات اعتبارًا من عام 2018 من أجل إرغام إيران على الانسحاب واستعادة العراقيين السيطرة الكاملة على سياسات بغداد. وعليه، يعتمد نجاح الاستراتيجية الأمريكية جزئيًا على قدرة العبادي على الاستفادة من انتصارات الجيش العراقي في الآونة الأخيرة على “الدولة الإسلامية” من أجل حشد دعم انتخابي في عام 2018
كما أن الشراكة بين الولايات المتحدة وأكراد العراق مهمة وأساسية لنجاح استراتيجية واشنطن السياسية في العراق. ومن خلال تمثيلها في بغداد منذ عام 2003، أدّت الأحزاب الكردية القومية العلمانية دورًا سياسيًا مهمًا في تصعيب فرض شيعة العراق – حلفاء إيران – سطوتهم على العراق ما بعد صدام. وفي ظل إضعاف سنّة العراق الآن وافتقارهم إلى القيادة، ترغب واشنطن في بقاء الأكراد في العراق ومضاعفة التوازن في وجه السيطرة الكاملة للأغلبية الشيعية. فضلًا عن ذلك، توقّعت واشنطن أن يعمل أكراد العراق ضمن إطار استراتيجيتها السياسية من خلال مساعدة العبادي على الفوز بولاية ثانية
ومن وجهة نظر الولايات المتحدة، من شأن خروج الأكراد من العراق أن يُضعف العبادي بشكل أكبر ويقوّي أمثال نوري المالكي، وهو رئيس الوزراء الشيعي السابق والحليف الوفي لإيران. يُذكر أنّ روابط وطيدة تجمع بين المالكي والنظام الإيراني من جهة، وأقسام كبيرة من الميليشيات الشيعية الناشطة في المناطق العراقية المأهولة من العرب من جهة أخرى. وقد يُقدم المالكي على اتهام العبادي بأنه أضعف من أن يتمكن من مواجهة التحدي الكردي لسلامة الأراضي العراقية، كما قد يعزّز جهوده، بدعم من إيران، من أجل الإطاحة بالعبادي قبل توليه منصب رئيس الوزراء من جديد
وبعد ان أدرك أن سعي الأكراد إلى الاستقلال سيهدّد مستقبله السياسي، قرّر العبادي اتخاذ تدابير انتقامية بحق أكراد العراق قد تؤدي إلى اندلاع صراع كردي-عربي مدمّر. وبعد مرور يوم على الاستفتاء الكردي، اتخذ العبادي خطوات – بالتنسيق مع تركيا وإيران – يعتقد أنها ستضيّق الخناق على أكراد العراق من الناحية الاقتصادية وتعزلهم عن باقي العالم. كما طالب البرلمان العراقي، ذو الأغلبية الشيعية، أن يرسل العبادي قوات عراقية اتحادية لاستعادة سيطرة حكومة العراق المركزية على حقول النفط في كركوك الخاضعة حاليًا لسلطة “حكومة إقليم كردستان”. وطالبت حكومة العبادي أيضًا نظيرتها في الإقليم بتسليم المطارين الدوليين والمعابر الحدودية مع تركيا وإيران إلى السلطات المركزية العراقية.
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا النوع من ردود الفعل من جانب بغداد، في محاولة لإخضاع القيادة الكردية العراقية عبر فرض حظر اقتصادي ودبلوماسي قاسٍ عليها، قد يتسبب باندلاع حرب كردية-عربية ستسمح من دون شك بتنامي نفوذ إيران في العراق. ومن المستبعد أن تتمكن القوات العراقية الاتحادية من محاربة “البيشمركة” الكردية بمفردها، ما سيحفز في نهاية المطاف تولي الميليشيات الشيعية محاربة أكراد العراق. وفي المقابل، من شأن دور عسكري أكبر للميليشيات الشيعية – المسلحة والمدربة والممولة من إيران – أن يعني اعتمادًا أكبر للسلطات العراقية على إيران. ولهذه الأسباب عمومًا، اعترضت الحكومة الأمريكية على الاستفتاء الكردي بشأن الاستقلال
لكن ماذا كانت الولايات المتحدة تتوقع من أكراد العراق؟ تجاهل صناع السياسة في واشنطن تطلعات الأكراد للحصول على دولة وافترضوا خطأً أن القادة الأكراد سيتقبلون على الدوام فكرة أن دولة كردية لن تقوى على مواجهة الوقائع القاسية في الشرق الأوسط، لا سيما عند تلقّي هذه الدولة معارضةً شديدة من قوى إقليمية أكثر نفوذًا على غرار تركيا وإيران. فإنّ ترْك الأكراد لأقدارهم – لأنهم تجاهلوا نصيحة واشنطن في ما يخص الاستفتاء – سيقوّض نفوذ الولايات المتحدة في العراق وخارجه على المدى الأطول
فهل ستكون الحرب بين الأكراد والعرب محتمة في العراق؟ ليس بالضرورة. فلا تزال الولايات المتحدة تتحكم بشكل كبير بسياسات الحكومة العراقية و”حكومة إقليم كردستان”. وفي الوقت الراهن، على واشنطن توظيف آليتها الدبلوماسية لطمأنة السلطات في بغداد وتشجيعها على عدم معاقبة الأكراد العراقيين بسبب تصويتهم في استفتاء الاستقلال. ويجب أن تعيد الولايات المتحدة تذكير بغداد بأنه لن ينتج عن كافة التدابير التي اتخذتها الحكومة بحق “حكومة إقليم كردستان”، بما فيها فرض حظر اقتصادي وتجميد الرحلات من وإلى “كردستان العراق”، سوى تأكيد مخاوف القادة الأكراد من أن الحكومة المركزية العراقية تعتبر الأكراد أعداءً لها وتسعى إلى إيذائهم عمدًا. فالتدابير العقابية التي اتخذتها بغداد ضد “حكومة إقليم كردستان” ستبرّر أي إعلان مفاجئ وأحادي لاستقلال إقليم كردستان عن العراق، ما سيشرّع حتمًا الباب أمام إيران للاضطلاع بدور أكثر عدائيةً في العراق
وعلى بغداد أيضًا أن تفهم أن استعادة الأراضي المتنازع عليها من الأكراد بالقوة ستكون غير واقعية ومحفوفة بالمخاطر. فاستخدام السلطات الشيعية القوة في الماضي ضد العرب السنّة أدّى إلى ابتعادهم عن بغداد وإلى ظهور تنظيم “الدولة الإسلامية” في ما بعد. ويجب ألّا يغيب عن بال بغداد أنها لن تحظى بدعم الولايات المتحدة في حال قررت استعادة كركوك وحقولها النفطية بالقوة. ولا بدّ للولايات المتحدة من استخدام بعض من قوتها العسكرية في العراق للحدّ من فرص اندلاع اشتباكات عنيفة بين الجيش العراقي وقوات “البيشمركة” الكردية
التصعيد الأخير حول مدينة كركوك يوضح مدى خطورة الوضع حاليا. فردا على تكديس القوات العسكرية العراقية والميليشيات الشيعية في جنوب كركوك، أرسلت حكومة إقليم كردستان ستة آلاف مقاتل من البيشمركة إلى المدينة لتعزيز موقفها ضد أي هجوم محتمل من قبل القوات الموالية لبغداد. وعلى الرغم من أن العبادي صرح مرارا بأنه لن يستخدم القوة ضد المواطنين الأكراد العراقيين، الا ان مسؤولين في حكومة إقليم كردستان فسروا التصعيد حول كركوك على انه استعداد من قبل بغداد لشن هجوم مفاجئ لاستعادة السيطرة على كركوك وحقول النفط. إن تحقيق انتصار سريع وحاسم في كركوك سيدعو الأكراد المتشددين في الشرق الأوسط إلى الانضمام إلى الأكراد العراقيين. كما أن الصراع الناتج يمكن أن يشجع الشيعة الراديكاليين في إيران وسوريا ولبنان على المجيء إلى العراق ومحاربة الأكراد هناك
ولن يلغي فوز العبادي بولاية ثانية نفوذ إيران في العراق، حتى ولو تخلى الأكراد عن مساعيهم للاستقلال وقرروا دعمه. فالنظام الإيراني يقدّر مكاسبه في العراق ويسيطر على نظام من الحلفاء يشمل ميليشيات مسلحة وشخصيات دينية وسياسية شيعية نافذة. وتبسط طهران سلطتها على بغداد، كما أنها القوة الأجنبية الأكثر نفوذًا في البلاد. وبالتالي، تُعتبر محاولة الحدّ من نفوذ الجمهورية الإسلامية في أوساط الأغلبية الشيعية في العراق رهانًا خاسرًا. إن فرض حصار منسق على كردستان العراق من قبل بغداد وأنقرة وطهران، يليه هجوم على الأكراد العراقيين على يد الميليشيات الشيعية، سيهدد بقاء حكومة إقليم كردستان ويضعف في المقابل نفوذ واشنطن في العراق، إن لم يكن قد ضعف بالفعل. وعليه، يتعين على الولايات المتحدة مواصلة العمل مع أكراد العراق لمنع سيطرة إيران المطلقة في المنطقة
________________________________________

مركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية

18– 10– 2017
NRLS